Articles & Blog Posts
محطات في حياة أناس أضاءوا بسيرتهم دروب المعرفة. صفحات تلخص عطاء قامات تركت بصمتها العلمية والإنسانية في المجتمع وشكلت ملامح التراث الإسلامي
Milestones in the lives of people whose journeys illuminated the paths of knowledge. Pages highlighting the contributions of influential figures who left their mark on society through their intellectual and humanitarian work, shaping the heritage of Islam.
On Sheikh Abdul Qadir Al-Jilani
On Sheikh Abdul Qadir Al-Jilani
Imam Abdul Qadir al-Jilani, whose paternal ancestry goes back to Imam Hassan bin Ali ibn Abi Talib may Allah be pleased with him, the fifth rightly guided Caliph and grandson of the Prophet blessings and peace be upon him and his family, on his mother’s side he lineage goes back to through his maternal grandfather Abdullah al-Sawma’i to Imam Hussain the martyr of Karbala may Allah be pleased with him.
Imam Abdul Qadir was born 11 Rabi Akhir, around the year 470 AH/1077, in Jilan to a family from the Prophetic house known for the Knowledge and devotion.
After studying his basics in his native home the young Abdul Qadir Jilani, moved to Baghdad, the capital city of the Abbasid Caliphate and one of the greatest centres of learning in its time.
In Baghdad he studied the scholarly sciences, he was a Hanbali Jurist and would go on to become the Sheikh of Hanbalite school in Baghdad.
Among his teachers in jurisprudence was the famous Ibn Aqil al-Hanbali, and the Qadi Abu Said al-Makhzoumi whose school he would later teach in after his teacher passed.
He also went under the spiritual mentorship of both his teachers al-Makhzoumi and his main spiritual mentor Sheikh Hammad bin Muslim al-Dabbas May Allah have mercy on them.
While studying in Baghdad he would also go to the uninhabited areas surrounding Baghdad to study, reflect on the transience of this world, pray and turn his attention to his inner life and the struggle against the ego, many saintly miracles are attributed to him by his contemporaries and narrated by scholars in subsequent ages.
He went onto to teach among others Imam Ibn Qudamah al-Maqdisi who travelled from his native Jerusalem to Baghdad to study with him, he managed to stay with Imam Jilani for the last forty days of the latter’s life and Ibn Qudamah went onto become the systemiser of the Hanbalite school.
Imam Jilani’s lessons and public talks attracted people in their thousands from every walk of life, scholar, princess, paupers and those devoted to their spiritual life all attended his public discourses.
He left a body of work and if Imam Ghazali was the great systemiser of the inner science of self purification, and mapped the path of the human soul to move from a state of heedlessness to arrival at the Divine Presence, one of Imam Jilani’s legacies was to be the first to systemise a practical methodology for the seeker to follow.
It was the revival brought about by both Imam Ghazalli and Imam Jilani which would inspire the generation before and the generation of the famous Saladin.
He passed away in Baghdad 10 Rabi Akhir 1166, at the age of 90, leaving a body of written works, public talks transcribed during his discourses, many students and children, his legacy still lives on may Allah’s mercy be upon him.
- By Wael Ramadan Zubi
ترجمة السيد أحمد بن إدريس
ترجمة السيد أحمد بن إدريس
يا ولدي نسبي الكتاب والسنة فإن وجدتني عليهما فقل: "أحمد بن ادريس على الكتاب والسنة" بهذة الكلمات التي تفيض تواضعا وإنكسار أجاب السيد أحمد ين أدريس على سؤال أحد طلابه سأله أن يملي عليه نسبه الشريف المتصل بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم
!يقول هذا وهو وقتها أشرف من يمشي على الأرض نسبا
إنه السيد الإمام التقي الصالح أحمد بن ادريس بن محمد بن علي بن أحمد بن محمد بن عبدالله بن إبراهيم بن موسى بن الحسن بن موسى بن إبراهيم بن عمر بن أحمد بن عبدالجبار بن يملح بن مشيش بن أبي بكر بن علي بن حرمة بن عيسى بن سليمان الملقب بسلام بن مزوار بن علي الملقب بحيدرة بن محمد بن إدريس بن إدريس الأكبر .. وينتهي نسبه الشريف إلى سيدنا علي بن أبي طالب والسيدة فاطمة الزهراء بنت رسول الله سلام الله عليها وعلى أبيها
"كان طويل القامة أبيض اللون مشرب بحمرة نحيف الجسم واسع العينين طويل الوجه أزج الحاجبين في شعره شيب"
ولد سنة 1173 هـ وكان مولده بقرية تسمى (ميسور) من أعمال بلدة (العرائش) بالقرب من مدينة (فاس) على ساحل البحر بالمغرب (شمال القارة الافريقية)، وهو منسوب إلى أشراف فاس حكام (مراكش)، وقد كانت نشأته الأولى بمسقط رأسه، حيث حفظ القرآن الكريم، وبعض المتون، وتلقى مبادئ العلوم، وكان يرعاه في هذه الفترة أخواه الكريمان: السيد محمد بن إدريس ثم السيد عبدالله. انتقل إلى فاس وتلقى العلم الشريف بجامع القرويين الشهير على كثير من العلماء
ما إن دخل السيد أحمد بن إدريس سن الشباب حتى لازم أهل العلم، وتتبع مجالس العلماء وتحمل الكثير من المشقة في سبيل تحصيل العلوم النافعة، والأسانيد العلمية العالية، ومن كبار الشيوخ الذين أخذ عنهم علامة المغرب المحقق الشيخ محمد التاودي بن سودة المري والشيخ محمد عبدالكريم بن علي الذهبي الشهير باليازقني والعلامة أبو محمد عبدالقادر ابن شقرون والعلامة اللغوي محمد المجيدري الشنقيطي، والشيخ المعمر السيد عبدالوهاب التازي الحسني والشيخ أبو القاسم الفاسي الملقب بالوزير، وقد ذكر السيد أحمد بن مصطفى الإدريسي في كتابه (من أعلام الصوفية) أن للإمام أحمد أسانيد من طرق أخرى على كثير من العلماء، وبعد أن أتم دراسة العلوم أذن له مشايخه بالتدريس والفتوى فعقد مجالس العلم التي جلس له فيها بعض شيوخة الأوائل بالمغرب، ثم عزم على أداء فريضة الحج، ونشر الدعوة إلى الله، وكانت دعوته الإصلاحية تقوم على الرجوع إلى مصادر التشريع الرئيسية، ونبذ البدع التي نخرت في بناء الأمة المحمدية، وجعلتها لقمة سائغة في أفواه الطامعين الذين أخذوا يجوسون في أرجاء أرض الإسلام، ويعملون على تقسيمها فيما بينهم، والأمة غافلة جاهلة. وقد بدأ الإمام أحمد رحلته المباركة سنة 1212هـ من فأس ماراً بالجزائر وتونس وليبيا، وقضى فترة في بني غازي يلقي الدروس بمسجدهم، ودخل مصر سنة 1213هـ فمكث فترة بالإسكندرية ثم اتجه إلى القاهرة وكانت له دروس وحلقات علم بالجامع الأزهر، حيث جلس بين يديه عدد كبير من الشيوخ والعلماء الأزهريين، وفي العام نفسه اتجه إلى بلاد الحرمين الشريفين فأدرك حج ذلك العام (1213هـ)، وجلس يلقي الدروس بالمسجد الحرام بمكة بجوار الكعبة، وذهب إلى المدينة وألقى بها دروساً بالمسجد النبوي الشريف، فوفدت له الجموع من شتى البقاع، كما ذهب إلى الطائف، وأينما حل كانت حلقات دروسه تزدحم بالحضور من شتى البقاع
وفي سنة 1228هـ اتجه إلى صعيد مصر وبمسجد الإمام ابن دقيق العيد (بقوص) ألقى بعض الدروس، ثم اتجه إلى قرية الزينية بالأقصر فأسس بها مسجده المشهور، وكان يلقي به دروسه، وقد استفاد من علومه أهل القرية والقرى المجاورة لها، وكان يتردد كثيراً على قرية البياضية بالأقصر، ويلقي بها الدروس وآثاره بها معلومة، كما ألقى بعض الدروس بمسجد الهداليل بحجازة، وبشنهورة، والجزيرة، وبالدير بإسنا (حيث أقيم مسجد يحمل اسمه) وبوادي حميثرة بمقام أبي الحسن الشاذلي (رحمه الله) وبمنفلوط وبأسيوط وغيرها، ثم عاد إلى مكة سنة 1234هـ مواصلا التدريس والتوجيه والإرشاد
ويبدو ظاهراً أن الإمام أحمد كان على خلاف مع بعض علماء مكة منذ زيارته الأولى، فرموه بالزندقة وعملوا على إيذائه، إلا أن الشريف غالب حاكم مكة قام بحمايته منهم، وحينما دخل الوهابيون مكة سنة 1218هـ عاملوا الإمام أحمد معاملة حسنة، وإن خالفوه في بعض آرائه، وقد جرت بينه وبينهم مناظرة مشهورة في شهر جماد الثانية سنة 1248هـ (طبعت عدة مرات)، وحرصاً منه (رحمه الله) على تجنب الخلاف فقد اضطر إلى مغادرة مكة إلى اليمن، حتى وصل زبيد وفيها مكث نحواً من شهرين، ثم واصل الرحلة إلى موزع، حيث استقبله خلق كثير، ثم عاد إلى زبيد مرة أخرى ومكث بها نحواً من تسعة أشهر، وكان نزوله لدى السادة الأشراف آل الأهدل، وقد ذهب أثناء إقامته بزبيد إلى (وصاب) للصلح بين قبيلتين، ومكث بها أياماً، وكان لا يغادر بلدة إلاّ وترك فيها تلاميذ يواصلون نشر العلم والدعوة بالتي هي أحسن، وقد انتهى المطاف به عند أمير عريش الشريف علي بن حيدر بن محمود الذي أكرم وفادته، ولكن الإمام أحمد آثر الإقامة في بلدة صبيا بالقرب من أبي عريش، وفيها اجتمع عليه الكثير من طلاب العلم، فبث فيهم العلوم الشرعية من التفسير والحديث والفقه وغيرها، واستمر على هذا الحال إلى أن انتقل إلى جوار ربه ليلة السبت بين المغرب والعشاء سنة 1253هـ تاريخ 21 رجب بصبيا، تغمده الله بالرحمة والرضوان، وأسكنه أعلى الجنان
:للإمام أحمد تلاميذ كثر في أنحاء بلاد المسلمين، وهم
السيد الطيب بن محمد إدريس: وهو ابن أخيه، ولد بالمغرب وقدم مع عمه إلى المشرق ورافقه في جميع رحلاته، وبعد وفاة عمه الإمام أحمد عاد إلى صعيد مصر، واستقر به المقام (بقنا) حيث كان يلقي الدورس بمسجدها العتيق، وتوفي بها، وقبره معروف هناك، والمسجد عُرف الآن بمسجد المغربي نسبة إليه
السيد محمد بن عثمان الميرغني: وهو من أوائل تلاميذ شيخه وأكثرهم ملازمة له، وقد أرسله إلى السودان والحبشة لبث الدعوة، وإرشاد المسلمين، ثم طلبه ليجتمع به في مكة، فبقي معه مدة من الزمن، وكان علامة مرشداً، توفي سنة 1268 هـ
السيد محمد بن علي السنوسي الخطابي: اجتمع بالإمام أحمد في مكة، فأخذ عنه، وتلقى على يديه كثيراً من العلوم، وهو صاحب مؤلفات عديدة، وأجداده من عائلة حسنية شهيرة بالجزائر عُرفت بآل الخطاب وهو صاحب الحركة السنوسية التي عم نفعها البلاد ونشرت العلم والجهاد وتخرج منها المجاهد الكبير عمر المختار الذي حارب الإستعمار، توفي سنة 1276 هـ
العلامة زيدان بن محمد: من آل القاضي (بقرية الزينية في صعيد مصر)، اجتمع بشيخه بالزينية، وصحبه إلى مكة ثم إلى اليمن، وبعد وفاة شيخه عاد إلى قريته
السيد عبدالرحمن بن سليمان الأهدل: مفتي زبيد وعالمها الشهير، ولد سنة 1179 هـ، كان حجة اتفق على جلالة قدره، اجتمع بالإمام أحمد في مكة وكانت وفاته سنة 1250 هـ
العلامة إبراهيم بن القاضي صالح: ولد بالسودان سنة 1228 هـ، رحل إلى مكة لأداء فريضة الحج، ومنها إلى اليمن، واجتمع مع شيخه بصبيا، ولازمه متمسكاً بإرشاداته، وبعد وفاة شيخه، ظل على حاله وسار على نهج طريقته، وكان من كبار الدعاة، حتى توفي سنة 1291هـ. بمكة،
القاضي المؤرخ الحسن بن أحمد الضمدي: وهو المعروف بعاكش، ولد في (تعز) سنة 1221 هـ ، وهو القائل: «أخذت عن ابن إدريس الأوراد، وقرأت عليه كثيراً من سور القرآن، وأملى علي (الحكم العطائية)، وبعضاً من الرسالة القشيرية، وكتبت عنه الكثير من العلوم الشرعية». كانت وفاته سنة 1292 هـ .. وغيرهم كثيرون ممن يضيق عن ذكرهم المقام، وللإمام أحمد مؤلفات كثيرة، جار الزمان على الكثير منها، فمنها ما ذهب به التلاميذ الذين تفرقوا في البلاد الإسلامية، ومنها ما أتت النار عليه بسبب حريق شب في داره بعد وفاته، وبقيت لنا بعد ذلك مجموعة قليلة من آثاره النافعة منها:
.تفسير آيات متفرقة
.تفسير لبعض السور القرآنية
.شرح لبعض الأحاديث النبوية
كتاب العقد النفيس، وقد ذكر حفيده العلامة أحمد بن مصطفى (رحمه الله) ثبت مؤلفات الإمام أحمد الباقية وأوصلها إلى (27) من آثاره النافعة منها ما تم طبعه ومنها ما يزال مخطوطاً. وللإمام أحمد عقب بأرض الحجاز والسودان وبصعيد مصر، وهم أهل خير وصلاح، وفيهم علوم موروثة، وقد قامت لأحفاده دولة في تهامة وعسير استمرت من سنة 1311 هـ إلى سنة 1352 هـ، وعرفت بدولة الأدارسة نسبة إلى والده وربما إلى الجد الجامع لهذه الأسرة إدريس بن إدريس بن عبدالله بن الحسن بن الحسن السبط، ومؤس دولة الأدارسة في عسير والمخلاف السليماني ابن حفيده السيد محمد بن علي بن محمد بن الإمام أحمد، مولده بصبيا سنة 1293 هـ وبها كانت وفاته سنة 1341 هـ.. تعلم بالجامع الأزهر بالقاهرة ثم رحل إلى المغرب فدرس هناك، ثم سافر إلى السودان فأقام ببلدة أرجو بدنقله وتزوج، ثم عاد إلى صبيا سنة 1324 هـ، وفي سنة 1310 هـ أعلن نفسه إماماً على عسير والمخلاف السليماني، وامتد نفوذ حكمه إلى تهامة، وقد استولى على مناطق الضالع والشعيب وغيرها، وتمكنت جيوشه من الاستيلاء على مناطق كثيرة من اليمن، وقد ظل النزاع بينه وبين الإمام يحيى حتى فارق الإدريسي الحياة. 2- السيد علي بن محمد الإدريسي: مولده في دنقله بالسودان سنة 1324 هـ، تولى الحكم بعد وفاة أبيه حتى سنة 1345 هـ، حيث غادر بأهله إلى بلاد الحجاز عبر عدن في العام المذكورنفسه. 3- السيد الحسن بن علي: وكان آخر الحكام الأدارسة في جنوب الجزيرة، أما السيد مصطفى بن علي فقد سافر إلى مصر بعد وفاة أخيه محمد واستقر بها حتى وفاته سنة 1349 هـ
توفي السيد أحمد ابن ادريس عام 1253هـ ودفن بمدينة صبيا وفاضت روحه إلى باريها وغاب عن الدنيا جسده الشريف لكن ذكره وأثره لم يغب فقد بارك الله في تلاميذه وذريته فنشروا العلم ولتربية والسلوك والجهاد ووصلت دعوته مشارق الأرض ومغاربها
لولا التأسي لساءت بلأسى مهج
على الإمام عظيم القدر والشان
أعني النفيس هو ابن ادريس من ظهرت
فينا مكارمه من غير نكران
شيخ الشيوخ وسلطان الرسوخ ومن
..ببحره العذب يروي كل ظمآن
المنتقى النفيس في مناقب قطب دائرة التقديس صـ28
ترجمة الأمام الرائد محمد زكي الدين إبراهيم
ترجمة الأمام الرائد محمد زكي الدين إبراهيم
الرائد : هو الإمام الفقيهُ المحدثُ الشاعرُ العالم الصوفي بَقيةُ السَّلَفِ الصَّالح أبو البركات محمد زكي الدين إبراهيم الخليل بن عليّ الشاذليُّ مشرباً الأزهريُّ ثقافةً وحسبةً المحمديُّ نسباً الصوفيُّ خُلقاً رائد العشيرة المحمدية،
إنك إذا رأيته رأيت نفسك أمام شيخ جليل قد بُعث لتوه من بين رجال القرن الأول الهجري يسعى نوره بين يديه ومن خلفه تكسوه ملامح أهل اليقين من أعلام ذلك الزمان ، وتبدو عليه دلائل تقوى وورع هؤلاء الأقوام، وتعلو جبينه نفحات الجلال ، وتبدو في قسمات وجهه نفحات الجمال ، وتدفق على وجنتيه دلائل الكمال ، تخال الغيب في نظراته ، وتسمع الصدق كل الصدق في نبراته، وإذا لاذ بالصمت أثار بواطن من حوله بإشراقه
إذا تكلم تكلم بالله ، وإذا صمت صمت بالله . تسبق أنواره إلى القلوب أقواله، فيأخذ بمجامع القلوب، وتفيض من لسانه أسرار علم الغيوب، كلامه قريب العهد بالله، ووصاياه موافقة لأعمال أئمة الهدى ، لا يُرَجِّي أحداً في معصيته سبحانه وتعالى، ولا يُقَنِّطُ أحداً من رحمته عز وجل ، يحبب الله تعالى إلى عباده ، ويحث الخلق في كل الأحوال على الإنابة
لا تملك إلا أن تشهد له ذاتك بالتقديم وسرك بالتعظيم ، من صحبه عرف كم كان في البأساء والضراء صابراً ، وبالقضاء راضياً ، وعلى النعماء شاكراً ، كان عليماً بعظمة الله تعالى ، وعظيم قدره ، فقيهاً بكتابه وسنة نبيه ، بعيداً كل البعد عن البدع والأهواء ، تاركاً كل الترك للتعمق والإغلاء ، مبغضاً للجدال والمراء ، مالكاً لجوارحه ، وهو ورع في مطعمه وملبسه ، مجانب للشبهات ، زاهد في الحلال ، مشفق من الحساب ، وجل من المعاد ، مشغول بشأنه مع ربه ، مؤثر لغيره على نفسه، عالم بالآخرة وأهاويل القيامة ، له من أمره شأن يغنيه
وإذا جالسته على بساط الفقه سار بك في دروبه، وسلك بك في مغاوره، وارتقى بك في معارجه حتى أطلعك على أحكامه كما هي في السماء، فإذا أنت فقيه عن الله عزّ وجلّ لا بالواسطة
وإذا جالسته على مائدة الحديث فكأنك تستمع إليه في محاضرة للأبرار ومسامرة للأخيار، تذكّرك بمجالس رسول الله ﷺ بين صحابته، وإذا جالسته على مائدة الشعر سقاك من مدد الله شراباً طهوراً تزهل به عن دنيا الناس، واستمع واررشف معي من مقاله - رضي الله عنه - في ديوان البقايا
شربناها إلهية ... كاسات سحارية
مروقة معتقة ... معتقة لدنّية
معطرة محورة ... من الأنسام قدسية
بُحْتُ ألحان ذقناها ... بَحان الحب عرشية
فلا حس ولا لمس ... ولا نفس ترابية
ذهلنا حين ذقناها ... وقلنا : إنها هية
وإذا صحبته في مجال الدعوة، عرفت الفرق بين من يدعو الناس إلى الله، ومن يُدخل الناس على الله، بين من يصف لك الطريق إلى الله، ومن يصحبك في الطريق إلى الله، بين من يقدم لك الدليل والبرهان، ومن يُشهدك شهود العيان، بين من يدلك على العمل ومن يدلك على ربّ العمل، بين من يذكرك بالله في الصلوات ومن يذكرك بالله في الأنفاس واللحظات، بين من يدلك على الأسباب ومن يدلك على مسبب الأسباب، بين من يقف بك مع ظواهر المكونات، ومن يخترق بك السبع الطباق، بين من يحذرك من الشرك الجلي، ومن يحذرك من الشرك الخفي، بين من يدلك على العمل لله ومن يدلك على العمل بالله، بين من يدلك على العمل خوفاً وطمعاً ومن يدلك على عمل محبة وشكراً
وإذا صحبته في طريق المعرفة بالله عزّ وجلّ، تيقّنت من تحقّقه باتباع عن النبي ﷺ، فلم يغفل عنه قط في أحواله أو أفعاله، في حركاته أو سكناته، في قوله أو رده، في أخذه أو عطائه، في حله أو ترحاله، في عبادته أو معاملاته، في ظاهره أو باطنه، فقد كان كما جاء عن الإمام أبي الحسن الشاذلي - رضي الله عنه - أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ (أي في منامه) فسألته عن حقيقة المتابعة؟ فقال: أن ترى المتبوع في كل شيء، وعند كل شيء، ومع كل شيء
ولذلك كان شيخنا رحمه الله قدوةً في تربية المريدين، ومرشداً في إرشاد السالكين بحاله قبل مقاله؛ فمن تحقّق بحال لا يخلو حاضروه منها، وحال رجل في ألف رجل خير من مقالة ألف رجل في رجل، ولذلك قالوا: ليس شيخك من واجهك بمقاله، إنما شيخك من سرَتْ فيك إشارته، ليس شيخك من واجهك بقاله، إنما شيخك من نهض بك حاله، ليس شيخك من ردّك إلى الباب إنما شيخك من رفع بينك وبينه الحجاب، شيخك الذي أَدَّبك بأخلاقه، وهذَّبك بإطراقه، وأَنار باطنك بإشراقه، هكذا كان الإمام محمد زكي الدين إبراهيم رضي الله عنه وأرضاه
في صباح يوم الأربعاء، الثاني من رجب سنة 1324هـ، الموافق للثاني والعشرين من أغسطس سنة 1906م، أشرق في حي بولاق أبي العلا بالقاهرة فجر حياة رجلٍ قدر الله لها أن تمتد قرابة قرن، وأن تترك في ميادين العلم والدعوة والتصوف والإصلاح أثرًا لا يزال حيًّا في القلوب والكتب والمجالس
إنه فضيلة الرائد زكي الدين، أبو البركات، شيخ الطريقة المحمدية الشاذلية، ومؤسس العشيرة المحمدية، وأحد أعلام التصوف الإسلامي في مصر والعالم الإسلامي في القرن العشرين
كان «أبو البركات» كنيته التي توارثها شيوخ الطريقة المحمدية خلفًا عن سلف، أما «زكي الدين» فكان من أشهر ألقابه، بينما اختار لنفسه لقب «الرائد»، وكأنه أراد أن يعبّر به عن رسالته التي عاش من أجلها: ريادة طريق الإصلاح، والدعوة إلى الله، وتجديد الخطاب الصوفي وتنقيته مما علق به من ممارسات وأفكار لا تمت إلى جوهر الإسلام بصلة
ينحدر الشيخ من أسرة عريقة النسب؛ فهو حسيني من جهة أبيه وأمه، وتجتمع في نسبه كذلك أصول بكرية صديقية من جهة جدته لأبيه، وأصول حسنية إدريسية
أما والده، فكان العالم الأزهري العارف بالله، سيدنا الشيخ إبراهيم الخليل بن علي الشاذلي، المعروف بـ«خليل الله»، صاحب كتاب المرجع: معالم المشروع والممنوع من ممارسات التصوف، ومن أحفاد سيدنا الشيخ أبي حسام الدين يوسف، أحد أولياء الشرقية
ومن جهة أمه، ينتمي الشيخ إلى بيت من بيوت العلم والولاية؛ فجده لأمه هو فضيلة القطب العارف بالله، سيدنا الشيخ محمود أبو عليان، أحد تلاميذ الشيخ عليش، شيخ المالكية في عصره
وكان لإخوته مكانتهم في مسيرته، ومنهم السيد محمد وهبي، المعروف بـ«أبو المواهب»، والذي صار نائبه العام وشريك جهاده، والسيد علي كامل، وحرم السيد عمار حسن
وفي حياته الأسرية، كانت زوجتاه من أمهات الإخوان؛ السيدة منيرة السيد إسماعيل، الملقبة بـ«أم الأشراف»، والسيدة المهندسة عفاف حسني مرسي، الملقبة بـ«ذات الهمة» و«أم المساكين»، أطال الله عمرها وبارك فيها. وقد رزقه الله أبناءه: محمد عصام الدين، ومحمد جمال الدين، وبهاء الدين، وهانم النبوية
في رحاب العلم
نشأ الشيخ في بيتٍ تتنفس جدرانه العلم والذكر والتربية، فكان أول معلم له والده. وفي طفولته اتصل بالقرآن الكريم، فحفظه على يد الشيخ جاد الله عطية في مسجد السلطان أبي العلاء، وعلى يد الشيخ أحمد الشريف في مسجد سيدي معروف، وكان يومئذ في التاسعة أو العاشرة من عمره
ثم تلقى تعليمه النظامي، فالتحق بمدرسة درب النشارين الابتدائية، ثم انتقل إلى مدرسة نهضة بولاق الكبرى. وبعد ذلك انتقل إلى رحاب الأزهر الشريف، فدرس المرحلة الثانوية، ثم مرحلة العالمية القديمة، حتى نال شهادة العالمية الأزهرية، التي كانت يومئذ ذروة التحصيل العلمي الأزهري، وكان رئيس لجنة امتحانه الشيخ عبد المجيد اللبان
ولم يكن علمه محصورًا في العلوم العربية والشرعية، بل اتسعت مداركه للغات وثقافات متعددة. فتعلم الإنجليزية منذ المرحلة الابتدائية، ثم درس الفرنسية على يد الأستاذ داود سليمان، أحد أعيان أسيوط، كما تعلم الألمانية بالقاهرة على يد الأستاذ راغب والي، المدرس بالمدرسة الألمانية، وترجم من الشعر الألماني قصائد للشاعر هاينريش هاينه
وتعلم كذلك الفارسية على يد الشيخ محمد الأعظمي الإيراني، عضو جمعية الأخوة الإسلامية، وترجم من شعر الصوفي الكبير محمد إقبال، ونُشرت ترجماته في مجلة «أبولو
وهكذا اجتمع في شخصيته العلم الأزهري الأصيل والثقافة المدنية الحديثة، فكان واسع الأفق، قادرًا على مخاطبة عصره بلغته، دون أن يفقد جذوره العلمية والروحية
منبر التعليم إلى ميادين الدعوة
بدأ الشيخ حياته العملية بالتدريس في المدارس الأميرية بمحافظة بني سويف، ثم انتقل إلى القاهرة، وظل يترقى في وظائف التعليم حتى أصبح رئيسًا للسكرتارية العامة للتعليم الحر، ثم عُين مفتشًا
وتولى بعد ذلك عددًا من المواقع العلمية والتربوية؛ فكان أستاذًا ومحاضرًا للدراسات العليا في المعاهد العالية، ومعهد الدراسات الإسلامية، ومعهد إعداد الدعاة، كما تولى عمادة معهد إعداد الدعاة، وألقى المحاضرات في بعض الكليات الأزهرية، وفي دورات إعداد الأئمة والوعاظ والبعوث الإسلامية
كما عمل مديرًا لمؤسسة الزفاف الملكي، التي عُرفت بعد الثورة باسم مؤسسة البر الأميرية
وفي ميدان العمل الإسلامي، تولى منصب الأمين العام والرائد الديني لجمعية الشبان المسلمين، وكان عضوًا في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، واللجنة الدينية العليا بمحافظة القاهرة، والمؤتمر العالمي للسيرة والسنة، ومؤتمر التبليغ والدعوة العالمي
الطريق إلى الله
لكن العلم عند الشيخ لم يكن مجرد تحصيل، ولم تكن المعرفة عنده غاية منفصلة عن السلوك. فقد نشأ في رحاب أبيه على طريق التربية والسلوك، وخدم «الطريق إلى الله»، وقطع مدارج السالكين، حتى أتم مسيرة الأسماء السبعة، ثم الثلاثة عشر، ثم التسعة والتسعين، حتى انتهى إلى الاسم المفرد
ودخل الخلوة الصغرى والكبرى، وكان يعتكف العشر الأواخر من رمضان كل عام، جامعًا بين العلم والعمل، وبين الذكر والسلوك، وبين ظاهر الشريعة وباطن التربية
وتلقى عن والده أسانيد وأورادًا من طرق صوفية متعددة، كما تبادلها مع عدد كبير من رجال عصره تبركًا وسلوكًا، ولا سيما من النقشبندية والتجانية والخلوتية والكتانية
وكانت صلته بأولياء عصره قائمة على الأخوة والمحبة، فكانت له علاقات وثيقة بعدد من أعلام التصوف، منهم سيدنا الشيخ أحمد رضوان، والشيخ صالح الجعفري، والشيخ خليل الخطيب، والحافظ التيجاني، والشيخ محمد سعد القاقوجي، والشيخ أبو العيون، والشيخ حسن الملطاوي، والدكتور عبد الحليم محمود، وغيرهم كثير، رضي الله عنهم أجمعين
العشيرة المحمدية والطريقة المحمدية الشاذلية
وفي سنة 1930م أسس الشيخ العشيرة المحمدية، لتكون الإطار الذي يحمل رسالته في الدعوة والإصلاح الإسلامي الصوفي، وليجعل منها وسيلة لجمع القلوب والكلمة، وخدمة الدين، ونشر التصوف الرشيد
ثم أسس الطريقة المحمدية الشاذلية رسميًا في الثالث عشر من سبتمبر سنة 1951م، على منهج والده وجده المباركين
وعُرضت عليه مشيخة الطرق الصوفية بعد وفاة الشيخ الصاوي، لكنه آثر الاعتذار عنها، غير أن رسالته الإصلاحية لم تكن لتتوقف عند منصب أو لقب
وقد كان له دور بارز في إنشاء مكتب رعاية المهتدين إلى الإسلام بالأزهر الشريف، وشارك في لجان تقنين الشريعة الإسلامية وتفريغ الأحكام الفقهية في صورة مواد قانونية
كما أسس ونظم وأشرف على مؤتمر تطبيق الشريعة، بمشاركة عدد من كبار العلماء، منهم الشيخ حسنين مخلوف، والدكتور عبد الحليم محمود، والشيخ محمد متولي الشعراوي
إصلاح التصوف وتجديد مؤسساته
كان الشيخ يؤمن بأن التصوف الحق ليس انفصالًا عن الشريعة، ولا خروجًا على أحكامها، وإنما هو تزكية للنفس، وإحسان في العبادة، وأخلاق في المعاملة
ومن هنا كان مشروعه الإصلاحي واسعًا؛ فأسس «الكلية الصوفية» بالعشيرة المحمدية، ودعا إلى إنشاء جامعة صوفية عالمية تكون نواة للتجمع الإسلامي، وإلى إخراج دائرة للمعارف الصوفية، وإنشاء معهد للدراسات الصوفية، وعقد مؤتمر صوفي عالمي، وإقامة ملتقى للفكر الصوفي المسلم
وكان يرى ضرورة تدريب مشايخ الطرق الصوفية وتثقيفهم، وإصلاح الموالد وأيام الله، وتحويلها من مجرد مظاهر احتفالية إلى مناسبات علمية واجتماعية واقتصادية نافعة، يتدارس فيها المسلمون شؤونهم، وتنشط فيها الحركة الاجتماعية والاقتصادية في إطار نظيف
كما دعا الهيئات الإسلامية إلى التقارب والتعاون والتعاطف، وإلى تجاوز فتنة الدعاوى والخصومات، والاحتكام إلى العلم والحق بدلًا من الهوى
وكان يدعو صوفية العالم إلى التكتل العملي والترابط الإيجابي، لخدمة الإسلام خدمة جامعة، ثم لتطهير التصوف من المخالفات والانحرافات
ومن ثمرات هذا المشروع تأسيس «الأكاديمية الصوفية العالمية» مع كوكبة من علماء مصر ومفكريها، منهم الدكتور حسن عباس زكي، وزير الاقتصاد الأسبق، والدكتور مصطفى محمود، والشيخ إبراهيم الدسوقي مرعي، وزير الأوقاف الأسبق، والدكتور حسن علي كمال، وزير الري الأسبق، والسفير وحيد رمضان وغيرهم
قلم العالم وموسوعية الباحث
ترك الشيخ أكثر من مائة كتاب ورسالة، فضلًا عن مئات البحوث والفتاوى والمقالات والخطب والدروس
وتناول في دراساته قضايا واسعة ومتنوعة، من السلفية المعاصرة والتصوف السلفي والدعوة الصوفية، إلى الذكر بغير اللغة العربية، وقضايا الوسيلة والقبور وشد الرحال، واسم الله الأعظم، والمهدي المنتظر، والمواكب الصوفية، والذكر جماعة وجهرًا، وبركات القرآن، وعدم جواز تكفير المسلمين، والمرأة في الإسلام، وهدم الآثار النبوية في بلاد الحجاز
ومن أشهر مؤلفاته: أصول الوصول، وأبجدية التصوف الإسلامي، ومراقد أهل البيت بالقاهرة، والإفهام والإفحام: قضايا الوسيلة والقبور، وبركات القرآن على الأحياء والأموات، وفواتح المفاتح، وأهل القبلة كلهم موحدون، ومعالم المجتمع النسائي، والفروع الخلافية، ووظيفة الحديث الضعيف، وقضية الإمام المهدي، إلى جانب مؤلفات كثيرة أخرى، منها ما طُبع ومنها ما بقي مخطوطًا
عناية خاصة بعلم الحديث
وكان للحديث الشريف في مشروعه العلمي مكانة خاصة؛ فقد اهتم بتلقي علم الحديث رواية ودراية، في زمن كان فيه رواة الحديث في مصر والعالم الإسلامي قلة معدودة
ولم يكن يتصدر لإعطاء الإجازة في الحديث إلا لنفر محدود من كبار العلماء في العالم الإسلامي. ثم لما كان عام 1414هـ، وبعد إلحاح طويل، طبع إجازته الحديثية، وأجاز طلابه، وأجاز أهل عصره إجازة عامة، وفق ما جرى عليه أهل الحديث والأثر
شاعر قبل أن يكون داعية
لم يكن الشيخ عالمًا وداعية فحسب، بل كانت له موهبة أدبية وشعرية مبكرة
فقد كان في الصف الأول من شعراء شباب جيله، وكانت له مكانة في النقد والأدب واللغة، ونشرت الصحف والمجلات الأدبية الكبرى شعره في ذلك الوقت
وقد اختار من أشعار شبابه مجموعتين سماهما ديوان الحصائد وديوان هشيم المحتظر، وهما من المخطوطات، ثم لما انصرف إلى الدعوة والتصوف ترك معاناة الشعر إلا في حالات نفسية أو روحية خاصة، فكانت تأتيه نفثات شعرية وصور ومنازلات ذاتية، جمعها تحت عنوان ديوان البقايا
الشيخ والجهاد في سبيل الوطن
ولم تكن دعوته منعزلة عن قضايا وطنه وأمته. ففي معارك الاستنزاف كان يخرج أسبوعيًا إلى جبهة القتال، فيشد من أزر الجنود بالدعاء والدعوة، ويشرح لهم أحاديث الجهاد، ويروي لهم قصص الرجال الذين جاهدوا في سبيل الله
وكان يخرج في قوافل تضم أبناءه ومريديه وزملاءه من علماء الأزهر، ويبيت الليالي في الخنادق بين الجنود، مؤكدًا أن العالم لا ينبغي أن يعيش بعيدًا عن آلام أمته وآمالها
وقد كرمه رؤساء مصر جمال عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك، كما كرمه الرئيس اليمني عبد الله السلال
مواجهة الخصوم بالحجة والإصلاح
واجه الشيخ الفكر الوهابي وخصوم التصوف بالحجة والدليل، وتحمّل في سبيل ذلك أذى ماديًا ومعنويًا
ومع ذلك، لم يكن إصلاحه للتصوف قائمًا على الدفاع عن كل ما يُنسب إليه، بل كان شديدًا في نقد الممارسات الخاطئة التي ألصقها بعض أدعياء التصوف بالتصوف ظلمًا وزورًا، من معتقدات وأفكار وأعمال تخالف الشريعة
ولهذا كان مشروعه إصلاحًا من الداخل؛ دفاعًا عن التصوف حين يكون تزكيةً وأخلاقًا وسلوكًا، ونقدًا له حين يتحول إلى ممارسات لا يقرها الشرع
وفي سنة 1953م اجتمع أكثر من ستين شيخًا من مشايخ الطرق الصوفية في مسجد سيدنا الحسين، وقرروا عزله من المشيخة، لكنه عاد إليها بحكم مجلس الدولة، في واقعة كانت من أوائل الوقائع من نوعها
وكان له دور مؤثر في صدور اللائحة الصوفية الرسمية، وفي إعادة تنظيم العمل الصوفي ومؤسساته
خدمة المجتمع
لم تكن العشيرة المحمدية في نظره مجرد جماعة للذكر والتربية، بل كانت مشروعًا اجتماعيًا كذلك
فنشطت في إنشاء المراكز العلاجية والتعليمية والثقافية، ورعاية الأرامل والأيتام، وخدمة الطلاب المغتربين والدارسين
وأصدر الشيخ مجلة «المسلم»، لسان حال العشيرة والطريقة، لتكون منبرًا للتصوف الرشيد، وساحة للبحث والحوار والرد على الشبهات
وكان من أوائل من عملوا على إنشاء لجنة للدراسات الصوفية وإحياء التراث الصوفي، كما جمع شعراء التصوف الإسلامي في حلقة أدبية متميزة، وجمع العلماء والكتاب والخطباء الصوفيين في دائرة علمية تقوم بالتأليف والإفتاء والمحاضرة والخطابة والمناظرة
كما حرص على جمع الصوفيين الشرعيين، على اختلاف مشاربهم، في إطار واحد من التعاون والعمل المشترك
شيخ المسجد والإذاعة والبيت
كان للشيخ حضور مستمر في الإذاعة والتلفزيون المصري والعربي، وله خطبه ودروسه ومحاضراته وفتاواه التي عرفها الناس من خلال وسائل الإعلام
وكان له درس أسبوعي في مساجد السيدة زينب وسيدنا الحسين والإمام الشافعي في شهر رمضان بعد صلاة العصر، كما كان له في سبعينيات القرن الماضي درس أسبوعي متخصص بعنوان «دراسات عليا في التصوف» يوم السبت
وحين أقعده المرض في بيته نحو عشرين عامًا، لم يتحول المرض إلى عزلة؛ فلم يقطع عادته في الدرس والمحاضرة بعد صلاة الجمعة، ولم يتوقف عن استقبال الزائرين يوميًا
وكان مجلسه عامرًا بالناس؛ يجلس فيه الوزراء والسفراء والمسؤولون، وكبار علماء الأزهر والجامعات المصرية والإسلامية، إلى جوار طلاب العلم والمريدين وعامة الناس، في مجلس جمع بين هيبة العلم وبساطة الشيخ وتواضعه
وكان مسكنه بين القبور، يسميه «برزخًا» بين الأحياء والأموات؛ عاش فيه زاهدًا، ومعلمًا، ومربيًا، ومرشدًا. وظل بيته قبلة للعلماء والدارسين وطلاب الشريعة والحقيقة، وللقادة والوزراء والزائرين من مصر ومختلف أنحاء العالم
الرحيل
وظل الشيخ عاملًا حتى آخر حياته، متمسكًا برسالته في الدعوة والتعليم والتربية والإصلاح
ثم جاء فجر الأربعاء، السابع من أكتوبر سنة 1998م، السادس عشر من جمادى الآخرة، فانتقل إلى جوار ربه عن عمر ناهز اثنين وتسعين عامًا
ودُفن في ضريح المشايخ بمسجد العشيرة المحمدية بقايتباي
وأمّ المصلين في صلاة الجنازة فضيلة الدكتور سيد طنطاوي، شيخ الأزهر
وهكذا غاب الجسد، وبقي الأثر؛ وبقيت العشيرة المحمدية تحمل شيئًا من رسالته، وبقيت كتبه ودروسه وتلامذته شاهدًا على رجل عاش للعلم والدعوة والتربية والإصلاح
ولم يكن الشيخ، في نهاية المطاف، مجرد شيخ طريقة أو صاحب مدرسة صوفية، وإنما كان صاحب مشروع؛ مشروع أراد أن يعيد للتصوف صفاءه، وللدعوة رشدها، وللعلم رسالته، وللعمل الإسلامي روحه الجامعة
وقد اجتمع في شخصه العالم الأزهري، والداعية، والمربي، والباحث، والأديب، والشاعر، والمصلح الاجتماعي؛ فجمع بين ثقافة العصر وأصالة الأزهر، وبين الشريعة والحقيقة، وبين العلم والسلوك، وبين الذكر والعمل
وها هي العشيرة المحمدية تحيي ذكراه بمؤتمر علمي صوفي، يشارك فيه أبناء الإمام ومحبو طريقه، في مقر العشيرة المحمدية أمام مسجد الشرطة بطريق صلاح سالم، لتظل الذكرى مناسبة لاستحضار علمه ومنهجه، لا لمجرد استعادة سيرة رجل مضى
رحم الله شيخنا زكي الدين أبا البركات، ورضي عنه، وغفر له، وجزاه عن العلم والدعوة والتصوف وأهله خير الجزاء، ونفعنا بأدبه وعلومه، ونفحنا من أنواره وبركاته، وجعل ما تركه من علم وعمل في ميزان حسناته
ترجمة عبد الله بن علوي بن محمد الحداد
ترجمة عبد الله بن علوي بن محمد الحداد
هو الإمام العارف بالله، والفقيه الشافعي، والداعية
المربّي، عبد الله بن علوي بن محمد الحداد، المولود في الثلاثين من يوليو سنة 1634م، الموافق ليلة الاثنين الخامس من صفر سنة 1044هـ، والمتوفى في العاشر من سبتمبر سنة 1720م، ليلة الثلاثاء السابع من ذي القعدة سنة 1132هـ
نشأ الإمام الحداد في مدينة تريم بحضرموت، تلك المدينة التي عُرفت منذ قرون بأنها منارة للعلم والعبادة والتصوف والدعوة، ونشأ في كنف أسرة عريقة من السادة آل باعلوي، فجمع الله له شرف النسب، ورفعة العلم، وسمو الهمة، وصفاء الروح
كان فقيهًا شافعيًا على معتقد الأشاعرة، وسلك طريق التصوف على نهج آبائه وأجداده من السادة آل باعلوي، حتى غدا من أبرز مجددي طريقتهم، ومن أكثر رجال عصره أثرًا في التربية والسلوك والدعوة إلى الله تعالى
ولم تكن دعوته قائمة على الجدل والخصومة، وإنما قامت على الحكمة والموعظة الحسنة، ومخاطبة القلوب بلغة تجمع بين العلم والعمل، وبين الخوف والرجاء، وبين ظاهر الشريعة وباطن التربية. فأقبل عليه الناس من قريب وبعيد، وانتشر ذكره في حضرموت وخارجها، وانتفع به خلق كثير، حتى عُدَّ من أعلام العلم والصلاح والدعوة الذين قلَّ أن يجود الزمان بمثلهم
ولُقِّب بـ «شيخ الإسلام» و«قطب الدعوة والإرشاد»، وكثرت مؤلفاته التي امتلأت بالنصائح والمواعظ والحكم، وانتشرت بين الناس انتشارًا واسعًا، ولا سيما كتاباه «الدعوة التامة والتذكرة العامة» و«النصائح الدينية والوصايا الإيمانية»، اللذان صارا من الكتب المشهورة في مجالس السادة آل باعلوي، وترجم بعض مؤلفاته إلى لغات أجنبية في العصور المتأخرة
وقد قيل في كتبه إنها جمعت خلاصة ما يحتاج إليه السالك في طريق الدين والتزكية، وإنها استخلصت زبدة من كلام الإمام أبي حامد الغزالي وغيره من أئمة التربية والسلوك. وعدَّه بعض أهل التراجم من مجددي الإسلام في مطلع القرن الثاني عشر الهجري
وقد اعتنى العلماء بترجمته عناية كبيرة، فأفردوا سيرته بالتصنيف، ومن ذلك كتابا «غاية القصد والمراد» و«بهجة الفؤاد» لمحمد بن زين بن سميط، وكتاب «الإمام الحداد مجدد القرن الثاني عشر الهجري» للدكتور مصطفى بدوي، إلى جانب مؤلفات وترجمات أخرى تناولت حياته وآثاره ومدرسته العلمية والروحية
نسبه الشريف
:ينتهي نسب الإمام عبد الله الحداد إلى بيت النبوة، فهو
عبد الله بن علوي بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن علوي بن أحمد الحداد بن أبي بكر الطويل بن أحمد مسرفة بن محمد بن عبد الله بن الفقيه أحمد بن عبد الرحمن بن علوي، عم الفقيه المقدم، بن محمد صاحب مرباط بن علي خالع قسم بن علوي بن محمد بن علوي بن عبيد الله بن أحمد المهاجر بن عيسى بن محمد النقيب بن علي العريضي بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين السبط بن علي بن أبي طالب، زوج فاطمة الزهراء بنت رسول الله ﷺ
وهكذا تتصل سلسلة نسبه بالحسن والحسين، سبطي رسول الله ﷺ، وينتهي نسبه الشريف إلى النبي محمد ﷺ في سلسلة طويلة من آباء اشتهر كثير منهم بالعلم والعبادة والدعوة والتربية
مولده ونشأته
وُلد الإمام الحداد في السُّبَير، إحدى ضواحي مدينة تريم بحضرموت، في ليلة الاثنين الخامس من شهر صفر سنة 1044هـ. وكانت والدته سلمى بنت عمر بن أحمد المنفر
ولم تكد طفولته تمضي حتى ابتُلي في نحو الرابعة من عمره بمرض الجدري، فأصيب بسببه بفقدان بصره. غير أن فقد البصر لم يحل بينه وبين العلم، بل ربما كان سببًا في أن يتجه قلبه منذ صغره إلى عالم آخر، عالم البصيرة والروح
نشأ في تريم، وحفظ القرآن الكريم، واشتغل بحفظ المتون العلمية، وكان شديد الشغف بالعلم منذ نعومة أظفاره. ولم يكن العلم عنده حفظًا مجردًا، بل كان يميل إلى الأدب والشعر، ويتذوق جمال العبارة، ويجد في الكلمة وسيلة إلى تهذيب النفس وإيقاظ القلب
وفي سنة 1072هـ فقد أباه علويًا، وكانت وفاته ليلة الاثنين الأولى من شهر رجب. ولم تمض على وفاته سوى أيام قليلة حتى مرضت والدته، واستمر بها المرض نحو عشرين يومًا، ثم وافتها المنية ضحى يوم الأربعاء الرابع والعشرين من رجب من السنة نفسها
وفي ذلك العام أيضًا فقد أحد شيوخه الكبار، عمر بن عبد الرحمن العطاس، فتتابعت عليه مصائب الفقد في مرحلة مبكرة من حياته، غير أن تلك المحن لم تضعف عزيمته، بل زادته تعلقًا بالله، وإقبالًا على العلم والعبادة
الرحلة إلى بيت الله الحرام والمدينة المنورة
وفي سنة 1079هـ عزم الإمام الحداد على الحج، فخرج من حضرموت قاصدًا بيت الله الحرام. ، حيث أقام نحو نصف شهر، ثم توجه إلى عدن، ومنها واصل طريقه إلى مكة المكرمة
وكان دخوله مكة في أول يوم من ذي الحجة، ونزل في دار الشيخ حسين بن محمد بافضل. وفي تلك السنة وافق الوقوف بعرفة يوم الجمعة
ويُروى أنه صلى بالناس إمامًا في المسجد الحرام صلاة الفجر يوم الجمعة أول محرم سنة 1080هـ
ثم، بعد أن أدى مناسك الحج، توجه إلى المدينة المنورة، شوقًا إلى زيارة جده المصطفى ﷺ. فنزل في ضيافة عمر أمين المهدلي، ودخل المسجد النبوي، وصلى في الروضة الشريفة، ثم وقف أمام المواجهة النبوية، يستشعر مهابة المكان وكرامة المقام، وأنشد من شعره
إلى مسجد المختار ثم لروضة
بها من جِنَان الخُلد خير المصائر
إلى حجرة الهادي البشير وقبره
وثَمَّ تقرُّ العين من كل زائر
وقفنا وسلّمنا على خير مرسل
وخير نبيٍّ ماله من مناظر
فردَّ علينا وهو حيٌّ وحاضرٌ
فشُرِّفَ من حيٍّ كريمٍ وحاضر
ثم مضى في أبياته يحث على المبادرة إلى زيارة النبي ﷺ، وعلى اغتنام مواطن الخير، ويحذر من التسويف والكسل، مستشعرًا أن محبة النبي ﷺ لا تكون مجرد دعوى، وإنما تحتاج إلى صدق القلب وحسن العمل
الحاوي ومسجد الفتح
وفي سنة 1083هـ بنى الإمام الحداد داره في الحاوي شرقي مدينة تريم، ثم استوطنها سنة 1099هـ، مبتعدًا عن بعض ما كان يلقاه من مضايقات حكام تريم
وبجوار داره أقام مسجد الفتح، وأصبح الحاوي مع مرور الزمن موطنًا علميًا وروحيًا بارزًا، يجتمع فيه أهله وأولاده وتلاميذه ومحبوه
وقد عُرف الحاوي بنوع من الاستقلال والحصانة الاجتماعية، فلم يكن حاكم تريم يتدخل في شؤونه على نحو مباشر، وكان أهل تريم وغيرهم ينظرون إليه بعين الاحترام والتوقير. حتى إن بعض الرحالة الأجانب شبّهوا الحاوي بما يشبه «الفاتيكان» من حيث استقلاله ومكانته الخاصة
شيوخه
تلقى الإمام الحداد العلم عن عدد كبير من العلماء والمشايخ، وقيل إن عدد شيوخه تجاوز المئة والأربعين، وكان من أشهرهم
عمر بن عبد الرحمن العطاس
عبد الرحمن بن شيخ عيديد
شيخ بن عبد الرحمن بن شيخ عيديد
عقيل بن عبد الرحمن السقاف
أبو بكر بن عبد الرحمن بن شهاب الدين
عمر بن أحمد الهادي بن شهاب الدين
سهل بن أحمد باحسن الحديلي
أحمد بن ناصر بن الشيخ أبي بكر بن سالم
شيخان بن حسين بن الشيخ أبي بكر بن سالم
محمد بن علوي السقاف
ومن خلال هؤلاء الشيوخ تلقى علوم الشريعة والتفسير والحديث والفقه والتزكية، ثم جمع ما تلقاه في شخصية علمية وروحية متكاملة، كان لها أثر عميق فيمن جاء بعده
تلاميذه
وكما أخذ عن عدد كبير من العلماء، فقد أخذ عنه عدد كبير من أهل العلم والتربية، وانتشرت طريقته ومواعظه في حضرموت وما وراءها
ومن أشهر تلاميذه
أحمد بن زين الحبشي
محمد بن زين بن سميط
عمر بن زين بن سميط
عمر بن عبد الرحمن البار
عمر بن حامد المنفر
عبد الرحمن بن عبد الله بلفقيه
محمد بن عمر بن طه السقاف
علي بن عبد الله السقاف
عبد الرحمن بن محمد بارقبة
علي بن عبد الله العيدروس
زين العابدين بن مصطفى العيدروس
مصطفى بن شيخ العيدروس
مشيخ بن جعفر باعبود
عبد الرحمن بن أحمد باكثير
عبد الله بن سعيد العمودي
عمر بن عبد القادر العمودي
محمد بن ياسين باقيس
أبو بكر بن محمد باجبير
أحمد بن عبد الكريم الشجَّار الأحسائي
ولم يكن أثره في تلاميذه مقتصرًا على نقل المعلومات، بل كان يربيهم على تحويل العلم إلى عبادة، والعبادة إلى أخلاق، والأخلاق إلى خدمة للناس وإصلاح للمجتمع
عالمٌ يحمل همَّ مجتمعه
لم يكن الإمام الحداد عالمًا منعزلًا عن قضايا الناس، بل كان حاضرًا في شؤون مجتمعه، يكاتب الأعيان والحكام والسلاطين، وينصحهم ويرشدهم، وينبه إلى ما يراه من مخالفات شرعية، كما كان ينتقد بعض المتصوفة إذا رأى في سلوكهم ما يخالف ظاهر الشريعة
وكان الإصلاح بين الناس من أبرز وجوه عمله؛ فحين كانت الخصومات القبلية تشتد، ويتحول النزاع إلى سلاح واقتتال، كان يسعى إلى إطفاء نار الفتنة وإعادة المودة بين المتخاصمين. ومن ذلك تدخله في الإصلاح بين آل العمودي حين احتدم النزاع بينهم ووصل إلى العراك المسلح
وكان قريبًا كذلك من أهل الزراعة، يرشدهم في شؤونها، ويمتلك المزارع ويربي الدواجن، فلم يكن يرى في الاشتغال بأمور الدنيا ما ينافي الزهد، ما دام القلب متعلقًا بالله واليد عاملة في الخير
وكان كريم النفس، كثير الإحسان إلى المحتاجين، واسع العطاء للقاصدين والطلبة والأقارب، يحث أصحاب الأموال على الإنفاق في وجوه البر، وإعانة الفقراء، وبناء المساجد، وإقامة السقايات والمشروعات التي ينتفع بها الناس
وعُرف كذلك بكثرة زيارة القبور، ولم ينقطع عن زيارة النبي هود عليه السلام في شعبان، فكان يداوم عليها ثلاثين سنة متوالية
كلماته ومواعظه
كان كلام الإمام الحداد حاضرًا في مجالس الوعظ والتذكير في حضرموت، حتى قلَّ أن يقوم مجلس علم أو موعظة إلا ويُستشهد فيه بشيء من كلامه. وكانت عباراته تجمع بين سهولة اللفظ وعمق المعنى، فتصل إلى عامة الناس، وفي الوقت نفسه يجد فيها أهل العلم والتربية معاني دقيقة وإشارات نافعة
ومن كلامه في بيان مراتب الإسلام والإيمان والإحسان
«الإسلام مجرد عمل فقط، والإيمان مجرد علم وتصديق، والإحسان مشترك بينهما. فالأول في الجوارح، والثاني في القلب، والثالث فيهما. فالأول ظاهر الثاني، والثاني باطنه، والثالث خالصهما، وهو الغاية من الإيمان والإسلام إذا اجتمعا صارا إحسانًا»
وقال في شأن ماء زمزم
«يعني من شربه لمرض شفاه الله، أو لجوع أشبعه الله، أو لحاجة قضاها الله... ولكن يحتاج إلى نية وإخلاص»
وكان يؤكد أن قيمة العبادة ليست في كثرتها وحدها، وإنما في دوامها وحضور القلب فيها، فقال في الأوراد والذكر
«الأوراد لا تنفع إلا مع الدوام ولا تؤثر إلا مع الحضور»
وهذه العبارة تلخص جانبًا مهمًا من منهجه التربوي؛ إذ كان يرى أن المقصود من الذكر ليس حركة اللسان وحدها، وإنما يقظة القلب واستمرار الصلة بالله تعالى
مؤلفاته وآثاره
ترك الإمام الحداد تراثًا واسعًا في الوعظ والتربية والسلوك والفقه والعقيدة والأدب والشعر، وبقيت كتبه تتداولها الأجيال، وانتشر بعضها خارج البلاد الإسلامية وترجم إلى لغات متعددة
ومن أشهر مؤلفاته
النصائح الدينية والوصايا الإيمانية
عقيدة أهل الإسلام
الدعوة التامة والتذكرة العامة
رسالة المعاونة والمظاهرة والمؤازرة للراغبين من المؤمنين في سلوك طريق الآخرة
رسالة المذاكرة مع الإخوان المحبين من أهل الخير والدين
رسالة آداب سلوك المريد
إتحاف السائل بجواب المسائل
سبيل الادكار والاعتبار بما يمر بالإنسان وينقضي له من الأعمار
الفصول العلمية والأصول الحكمية
النفائس العلوية في المسائل الصوفية
الحِكَم
الدر المنظوم لذوي العقول والفهوم، وهو ديوان شعره
تثبيت الفؤاد بذكر مجالس القطب عبد الله الحداد
جامع المكاتبات والوصايا والكلمات والقصائد المشتملة على الحكم والفوائد والمراشد
وسيلة العباد إلى زاد المعاد، وهو مجموع أوراده وأذكاره
وكان للشعر في حياته مكان خاص؛ فقد ترك قصائد في الحكمة والتربية، ومن أشهرها قصيدته العينية التي شرحها تلميذه أحمد بن زين الحبشي، كما شرح بعض قصائده أحمد بن أبي بكر بن سميط وغيره
أسرته وذريته
كان للإمام الحداد ستة أبناء: حسن، وعلوي، ومحمد، وسالم، وحسين، وزين
وقد اختص ابنه محمدًا بمهمة الإصلاح بين القبائل، فكان يقوم بالوساطة في الخصومات، وقد نجح في نزع فتيل بعض الحروب، حتى زوّجه والده من قبيلة آل كثير توثيقًا لأواصر المحبة والمودة مع القبائل المسلحة. ثم توفي محمد في ذمار
وأما حسن وعلوي فقد حملا بعد أبيهما جانبًا من رسالته العلمية والاجتماعية، فاشتغلا بتدريس العلوم، وإطعام الفقراء والمساكين، وإيواء الغرباء والوافدين
وتوفي علوي بمكة المكرمة إثر حجه سنة 1153هـ، بينما توفي حسن في تريم سنة 1188هـ، وكان والده يلقبه بالحكيم، وقد طال به العمر حتى أصبح مرجعًا للناس، وأخذ عنه خلق كثير
وأما زين فسافر بعد وفاة والده إلى العراق، ونال هناك مكانة مرموقة لما كان لأبيه من شهرة ومكانة في نفوس الناس. وكان شاعرًا له شعر غزلي شعبي، ثم توفي في عُمان، في بلدة صير، سنة 1157هـ
وأما سالم فقد استوطن المشقاص، وأنجب بها، ثم عاد إلى تريم، حيث توفي سنة 1165هـ
وأما حسين فقد ابتُلي في آخر حياته بالمرض، فاحتمل ما نزل به بصبر جميل ورضًا بقضاء الله، حتى لحق بإخوته وأبيه
وفاته
وبعد حياة طويلة قضاها الإمام الحداد في العلم والعبادة والدعوة والإصلاح وتربية النفوس، أقبلت عليه ساعة الرحيل
توفي ليلة الثلاثاء السابع من شهر ذي القعدة سنة 1132هـ، في الحاوي بمدينة تريم، بعد عمر قارب التسعين عامًا، قضى معظمه في خدمة العلم والدين والناس
ودُفن في مقبرة زنبل بتريم، حيث وارى أهل حضرموت جسد عالمهم ومربيهم، وبقي أثره حيًا في كتبه وتلاميذه وأبنائه وطريقته ومجالس العلم والذكر التي حملت كلماته من جيل إلى جيل
وهكذا طويت صفحة حياة رجلٍ لم يكن حضوره مقصورًا على محراب أو مجلس علم، بل امتد إلى حياة الناس بكل تفاصيلها؛ فكان عالمًا حين يُسأل، وواعظًا حين يعظ، ومربيًا حين يربي، ومصلحًا حين تتنازع القبائل، وكريمًا حين يقصد المحتاجون بابه
ولعل أعظم ما بقي من الإمام الحداد ليس كثرة ما ألّف، ولا كثرة من أخذ عنه، وإنما تلك الروح التي بثها في كلماته وسيرته: أن العلم لا يكتمل إلا بالعمل، وأن العبادة لا تثمر إلا بحضور القلب، وأن صلاح الإنسان لا ينفصل عن صلاح من حوله
فبقي اسمه حاضرًا في الذاكرة الحضرمية، وبقيت كتبه تتناقلها الأيدي، وأوراده وأشعاره تتردد على الألسنة، وظل الإمام عبد الله الحداد واحدًا من أبرز أعلام حضرموت الذين تركوا أثرًا تجاوز حدود زمانهم ومكانهم
ترجمة تاج الدين ابن عطاء الله السكندري
ترجمة تاج الدين ابن عطاء الله السكندري
الإمام العارف، صاحب الحكم
هو تاج الدين أبو الفضل أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن عيسى بن الحسين بن عطاء الله، الجذامي نسبًا، المالكي مذهبًا، الإسكندري دارًا، الشاذلي طريقةً؛ أحد أعلام القرن الثامن الهجري، وأحد أركان الطريقة الشاذلية، وإمام من أئمة السلوك والتربية، اشتهر بين أهل العلم وأرباب الطريق بعلو المنزلة، وجودة العبارة، ونفاذ الإشارة، وحسن الجمع بين علم الشريعة ودقائق الحقيقة
وكان رحمه الله من العلماء الذين جمعوا بين فنون من العلم، فاشتغل بالتفسير والحديث والفقه والنحو والأصول، ثم أخذ بحظ وافر من علوم القوم وأحوال السالكين، حتى صار في عصره من أشهر المتكلمين في التصوف، وأعظمهم أثرًا في نفوس العامة والخاصة
وقد وصفه الذهبي بأنه كانت له جلالة عجيبة ووقع في النفوس، وأنه كان يتكلم بالجامع الأزهر، فيمزج كلام أهل التصوف بآثار السلف وفنون العلم، فكثر أتباعه. وقال ابن حجر في ترجمته إنه صحب أبا العباس المرسي، وصنف مناقبه ومناقب شيخه، وكان المتكلم على لسان الصوفية في زمانه
ولم تكن شهرة ابن عطاء الله ثمرة كثرة التصنيف وحدها، وإنما كان لها أصل في شخصيته العلمية والروحية، وفي مجلسه الذي كان يؤمه الناس، وفي مواعظه التي كان يجد فيها السامع مسًّا لقلبه، وإيقاظًا لما خفي من أمر نفسه
مولده ونشأته
وُلد ابن عطاء الله السكندري بمدينة الإسكندرية نحو سنة ثمان وخمسين وستمائة للهجرة، في بيت عُرف بالعلم والفقه، وكان جده لأبيه من أهل العلم، فشب في بيئة لم تكن ترى العلم ترفًا ولا زينة، وإنما تراه سبيلًا إلى الدين، وحفظًا للشريعة، وقيامًا بحق الله تعالى على عباده
فأقبل منذ صباه على العلوم الشرعية واللغوية، وتهيأ له من التحصيل ما جعله فقيهًا مالكيًا، مشاركًا في وجوه من علوم الشريعة
وكانت الإسكندرية يومئذ حافلة بالعلماء والفقهاء وأهل العبادة، وفيها كانت مجالس العلم تتجاور مع مجالس الذكر، وكان من أظهر رجالها في ذلك العصر أبو العباس المرسي، صاحب أبي الحسن الشاذلي
ولم يكن ابن عطاء الله في أول أمره من أهل التصوف، بل كان ينظر إلى القوم بعين الفقيه الذي لم يطمئن بعد إلى ما يسمعه من إشاراتهم، بل كان شديد الإنكار عليهم، حتى نُقل عنه في تلك المرحلة قوله: «من قال إن هنا علمًا غير الذي بأيدينا فقد افترى على الله عز وجل»
وكان يرى أن العلم هو ما عرفه أهل الفقه والحديث وأصحاب العلوم الظاهرة، وأن ما يتحدث به بعض الصوفية من علوم القلوب والأذواق يحتاج إلى نظر وتثبت
ولم يكن يعلم أن الله تعالى سيدخله من باب العلم نفسه إلى طريق آخر، وأن الرجل الذي كان يسمع عنه ويعترض عليه سيصبح بعد قليل شيخه الذي يأخذ عنه، وصاحب الأثر الأكبر في حياته
أول أمره مع أبي العباس المرسي
كان أبو العباس المرسي في الإسكندرية يومئذ شيخ الشاذلية، وقد اجتمع إليه المريدون وأهل العلم، وكان ابن عطاء الله يسمع عنه، ولا يزال في نفسه شيء مما يسمعه من أصحابه
ويحكي ابن عطاء الله نفسه في كتابه «لطائف المنن» خبر ما كان بينه وبين بعض أصحاب أبي العباس قبل أن تصحبه الصحبة، فيقول إنه كان من المنكرين عليه والمعترضين، لا لشيء سمعه منه بنفسه، ولكن لما كان قد استقر في نفسه من الاعتراض على ما يراه من دعاوى القوم
ثم قال في نفسه: لعل لهذا الرجل شأنًا غير ما بلغني عنه، وصاحب الحق له أمارات لا تخفى؛ فذهب إليه لينظر بنفسه
وكان ذلك المجلس بداية عهد جديد
دخل ابن عطاء الله على أبي العباس المرسي، فوجده يتكلم في مراتب الدين ومعانيه، وفي الأنفاس التي جاء بها الشرع، فتحدث عن الإسلام والإيمان والإحسان، وعن الشريعة والحقيقة والتحقق
فوقع كلام الشيخ في قلب ابن عطاء الله موقعًا لم يقع فيه كلام من قبل
لم يجد أمامه رجلًا يتحدث بألفاظ غامضة ولا يبتغي بها مجرد مخالفة المألوف، وإنما وجد علمًا يتصل بأصول الدين، وتفسيرًا لمعانيه من جهة أخرى لم يكن قد أدركها من قبل
فقال في نفسه، وقد تبدل نظره إلى الرجل: إن هذا إنما يغترف من بحر إلهي، ويمد من مدد رباني
وهنا زال ما كان في نفسه من الإنكار، وانقلب الاعتراض إعجابًا، والإعجاب صحبة، والصحبة تلميذًا ملازمًا
وكان يقول بعد ذلك عن حاله الأولى: «كنت أضحك على نفسي في هذا الكلام»
وهذه الكلمة تكشف عن صدق التحول الذي وقع فيه؛ فقد كان ابن عطاء الله لا يخفي أن له في أول أمره موقفًا من التصوف، ثم لم يمنعه ذلك من الرجوع حين تبين له ما لم يكن قد تبين من قبل
لزم ابن عطاء الله أبا العباس المرسي، وأخذ عنه، ولازمه نحو اثني عشر عامًا، حتى صار من خواص أصحابه
وفي هذه الصحبة نضج علمه، واتسع نظره، واجتمع له من علوم الشريعة ما كان قد حصله في أول أمره، إلى ما أفاده من علوم التربية والسلوك ومعرفة القلوب
وكان أبو العباس يرى فيه من الاستعداد ما ربما لم يكن يراه ابن عطاء الله في نفسه
:فقال له يومًا
«الزم، فوالله لئن لزمت لتكونن مفتيًا في المذهبين»
يريد، كما ذكر أهل الترجمة، مذهب أهل الشريعة ومذهب أهل الحقيقة
ثم بشّره بما سيكون له من الشأن، وقال له فيما رُوي عنه إنه سيكون داعيًا إلى الله وموصلًا إلى الله، وإن له شأنًا عظيمًا
وكانت هذه الكلمات في حياة ابن عطاء الله بمنزلة شهادة الشيخ في تلميذه، وقد مضت الأيام فإذا التلميذ يحمل علم شيخه، ويقوم من بعده مقامًا عظيمًا في طريقه
ولم يكن ابن عطاء الله مجرد ناقل لأقوال أبي العباس، بل حفظ أحواله ومجالسه وأخباره، ثم دوّن ذلك في كتابه «لطائف المنن»، فكان الكتاب من أهم ما حفظ تراث أبي العباس المرسي وأبي الحسن الشاذلي من جهة الرواية الصوفية الشاذلية
فلما توفي أبو العباس المرسي، كان ابن عطاء الله قد بلغ من العلم والتجربة مبلغًا أهله لأن يكون من كبار شيوخ الطريقة
وانتقل إلى القاهرة، واتسع مجلسه، واشتهر أمره، وأقبل عليه الناس من العلماء والمتفقهة والعامة
وكان يجلس للوعظ والتذكير، ويتكلم على الناس كلامًا يجمع بين العلم والتربية، فلا يخلو حديثه من آية أو حديث أو معنى فقهي أو إشارة من إشارات أهل السلوك
وكان له مجلس بالجامع الأزهر، يتكلم فيه على كرسي، فيجتمع إليه خلق كثير
وقد حفظت كتب التراجم وصفًا لمجلسه يدل على مقدار ما كان له من الهيبة والقبول؛ فكان كلامه، كما نقل الذهبي، يمزج كلام القوم بآثار السلف وفنون العلم، وكان له وقع في النفوس وكثر أتباعه
وكان هذا الجمع بين العلم والتصوف من أبرز خصائص شخصيته؛ فلم يكن تصوفه انقطاعًا عن العلم، ولا كان علمه حاجزًا بينه وبين تزكية النفس
بل كان يرى أن العلم الذي لا يثمر خشيةً وأدبًا وإخلاصًا علمٌ لم يبلغ غايته، وأن العبادة إذا خلت من حضور القلب لم تثمر في صاحبها الثمرة المرجوة
كان ابن عطاء الله جامعًا لأنواع من العلوم، حتى قال الشيخ أحمد زروق في وصفه إنه كان جامعًا لأنواع العلوم من تفسير وحديث وفقه ونحو وأصول وغير ذلك، وكان متكلمًا على طريقة أهل التصوف وواعظًا انتفع به خلق كثير
ولهذا لم تكن منزلته عند أهل الطريق وحدهم، بل كان له حضور في الحياة العلمية بالقاهرة، وأخذ عنه جماعة من العلماء، ومن أشهر من ذكر في تلاميذه تقي الدين السبكي، أحد كبار أئمة الشافعية
وقد اجتمع له في شخصه ما قل أن يجتمع لرجل واحد: فقه المذهب، ومعرفة الحديث، ودراية بعلوم العربية، ومشاركة في الأصول، ومعرفة بكلام الصوفية، مع قدرة ظاهرة على البيان والوعظ
ولذلك وصفه بعض أهل الترجمة بأنه «شيخ الطريقين وإمام الفريقين»
«غير أن اسم ابن عطاء الله إذا أطلق في القرون المتأخرة انصرف في كثير من الأذهان إلى كتاب واحد: «الحكم العطائية
وهو الكتاب الذي بقيت حكمه سائرة على ألسنة الناس، وتناقلها أهل الطريق، وكثرت شروحها، وأقبل عليها العلماء والطلاب
وليس سر بقاء «الحكم» في قصر عباراتها فحسب، وإنما في كثافة المعنى الذي تحمله العبارة
فقد كان ابن عطاء الله يختصر في كلمات يسيرة مسائل طويلة من تربية النفس: التوكل، والإخلاص، والرضا، ومجاهدة النفس، وآفات العمل، والتعلق بالأسباب، وطلب الشهرة، والخوف من رؤية النفس، وحسن الأدب مع الله تعالى
ومن هنا جاءت شهرته بالحكمة؛ إذ لم يكن همه أن يكثر الكلام، وإنما أن يبلغ المعنى بأقرب عبارة وأوقعها في النفس
وكانت عباراته في كثير من المواضع شديدة الصلة بأحوال المريد؛ فهو يخاطبه وهو في بداية الطريق، ويحذره من آفات النفس، ويعلمه كيف ينظر إلى عمله، وكيف يزن أحواله، وكيف يفرق بين عبادة يطلب بها وجه الله وعبادة تتسلل إليها حظوظ النفس
ولهذا كثرت شروح «الحكم»، وصارت من أشهر كتب التصوف تداولًا، وترجم المستشرق الإنجليزي آرثر جون آربري طائفة منها إلى الإنجليزية، كما حظيت بالدرس والترجمة في لغات أخرى
«التنوير في إسقاط التدبير»
ومن كتبه أيضًا «التنوير في إسقاط التدبير»، وهو كتاب من كتب السلوك والتربية، يتناول فيه معنى التوكل على الله، وترك الاعتماد على تدبير النفس، وتهذيب تعلق القلب بالأسباب
وليس المراد بإسقاط التدبير ترك العمل أو تعطيل الأسباب، وإنما المقصود أن لا يستولي تدبير العبد على قلبه حتى يحجبه عن شهود تدبير الله تعالى
فالعبد مأمور بالسعي، لكنه ليس مأمورًا بأن يعبد سعيه، ولا بأن يتعلق قلبه بما في يده من الأسباب
وهذا المعنى من المعاني التي تكررت في كلام ابن عطاء الله، حتى صار من السمات البارزة في حكمه وكتبه
:وله، إلى جانب ذلك، مصنفات أخرى، منها
«مفتاح الفلاح ومصباح الأرواح في ذكر الله الكريم الفتاح»
«و«تاج العروس الحاوي لتهذيب النفوس
«و«عنوان التوفيق في آداب الطريق»، وهو شرح لقصيدة أبي مدين
«و«القصد المجرد في معرفة الاسم المفرد
«و«أصول مقدمات الوصول
«و«الطريق الجادة في نيل السعادة
وتدل هذه المصنفات على أن عناية ابن عطاء الله لم تكن مقصورة على لون واحد من ألوان التصوف، بل دارت كتابته حول الذكر، وتزكية النفس، وآداب الطريق، ومعرفة أحوال السالكين، وترجمة الشيوخ، وبيان معاني التوكل والافتقار إلى الله
ومن الأخبار التي تناقلتها كتب المناقب في شأنه قصة الإمام ابن النحوي
فقد حضر ابن النحوي مجلس ابن عطاء الله، وكان يومئذ من كبار مشايخ التصوف، فرأى من علمه وهيبته وجلالة قدره ما حمله على أن يقول في نفسه
يا ترى، في أي مقام من المقامات هو؟
:فما لبث أن نظر إليه ابن عطاء الله، وقطع كلامه، وقال
«في مقام المذنبين العاصين يا ابن النحوي»
فدهش ابن النحوي من جوابه، وأمسك عن الكلام، ثم سلم على الشيخ وانصرف
فلما كانت الليلة رأى في منامه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى مرتبة عالية، وحوله الصحابة الكرام، والناس مجتمعون
ثم سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تاج الدين ابن عطاء الله
فأُجيب بأنه حاضر
:فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في الرواية
«تكلم؛ فإن الله يحب كلامك»
فتكلم ابن عطاء الله
ثم استيقظ ابن النحوي، فجاء إلى الشيخ، فإذا هو يتكلم بكلام وافق ما سمعه في رؤياه
فعرف حينئذ أن ما خفي عنه من مقام الشيخ أعظم مما كان يظن
فلما وقع في نفسه هذا المعنى، نظر إليه ابن عطاء الله وقال
«وما خفي عنك كان أعظم يا ابن النحوي»
وهذه الحكاية تُذكر في سياق ما رواه أهل المناقب من الرؤى والكرامات، ولا يصح أن تُعامل معاملة الخبر التاريخي المجرد؛ غير أنها تكشف بجلاء عن مقدار ما استقر في نفوس محبيه من اعتقاد منزلته، وعن الطريقة التي حفظ بها أصحابه صورة الشيخ في وجدانهم
ولعل أبلغ ما في هذه الحكاية أن الرجل الذي بلغ من الشهرة والعلم ما بلغ، وسارت حكمه في الآفاق، لم يجعل لنفسه مقامًا من مقامات الخصوصية، وإنما أجاب حين سُئل عن مقامه بأنه في مقام المذنبين العاصين
وهذا الجواب، على قصره، يحمل معنى عظيمًا من معاني التواضع والخوف من الله؛ فإن العارف عند أهل الطريق لا يرى لنفسه عملًا يستحق به المنزلة، ولا يشهد لنفسه فضلًا، وإنما يرى فضل الله عليه سابقًا لكل عمل
ومن هنا كانت بعض أجمل الحكم المنسوبة إلى ابن عطاء الله تدور حول سقوط رؤية النفس، ودوام الافتقار، وحسن الأدب مع الله
فكلما ازداد العبد معرفةً بربه، ازداد معرفةً بفقره، وكلما ازداد علمًا بأعمال القلوب، ازداد خوفًا من أن يرى لنفسه مقامًا أو فضيلة
ظل أبو العباس المرسي حاضرًا في حياة ابن عطاء الله حتى بعد انتقاله إلى رحمة الله؛ فقد حفظ ابن عطاء الله تراثه، وأقام على نشر طريقته، وخلّد أخباره في لطائف المنن
وكانت علاقة الشيخ بتلميذه من العلاقات التي تركت أثرًا واضحًا في تاريخ الشاذلية؛ فأبو العباس تلقى الطريق عن أبي الحسن الشاذلي، ثم جاء ابن عطاء الله فحفظ جانبًا كبيرًا من تراثهما، وصاغه في عبارات نافذة، وأودعه كتبه، فانتقل كثير من معاني الطريقة من مجالس المشافهة والصحبة إلى صفحات المصنفات
ومن هنا كانت مكانة ابن عطاء الله في الشاذلية عظيمة؛ فهو ليس مجرد شيخ من شيوخها، بل أحد أشهر من عبّر عن أصولها في لغة العلم والحكمة
ظل ابن عطاء الله في القاهرة مشتغلًا بالعلم والوعظ والتربية والتصنيف، حتى أدركته الوفاة سنة ٧٠٩هـ
وتذكر كتب التراجم أنه توفي بالمدرسة المنصورية، ودُفن بالقرافة بالقرب من بني الوفا، وبقي قبره معروفًا مشهورًا
وقد ختم حياته بعد رحلة طويلة بدأت في الإسكندرية بين الفقه وعلوم الشريعة، ثم قادته صحبة أبي العباس المرسي إلى طريق التصوف، حتى أصبح هو نفسه أحد أعلامه وأئمته
فكان عمره العلمي والروحي أشبه برحلة من ظاهر العلم إلى باطن أثره، ومن معرفة الأحكام إلى معرفة آداب القلوب، من غير أن يرى في ذلك قطيعة بين الأمرين
مضى ابن عطاء الله، وبقيت كتبه
ومضت مجالسه، وبقيت حكمه
وتفرقت الجماعة التي كانت تجلس إليه في الأزهر، وظلت عباراته تتناقلها الألسن، وتشرحها الكتب، ويتلقاها المريدون والعلماء
ولعل أعظم ما بقي من أثره «الحكم العطائية»، تلك الكلمات التي صاغها في عبارات وجيزة، وجعلها كأنها رسائل متتابعة إلى قلب السالك
ولم تكن قيمة ابن عطاء الله في أنه أكثر الكلام عن التصوف، وإنما في أنه استطاع أن يمنح التجربة الصوفية لغةً عربية رفيعة، متينة السبك، قريبة المأخذ، عميقة الدلالة، تجمع بين جزالة العالم وحساسية المربي
فهو الفقيه الذي عرف حدود العلم الظاهر، ثم عرف أن وراء العمل علمًا آخر يتعلق بصدق القلب
وهو الصوفي الذي لم يستغن عن الشريعة، بل ظل يتكلم من داخلها
وهو الواعظ الذي لم يجعل غايته إثارة العاطفة، وإنما قصد إلى تهذيب النفس وإصلاح السريرة
وهو صاحب الحكمة الذي كان يعلم أن الكلمة إذا خرجت من قلب ذاق معناها كان لها من سلطان النفاذ ما ليس للكلام المصنوع
هكذا كان ابن عطاء الله السكندري: علمًا من أعلام الإسكندرية والقاهرة، وفقيهًا مالكيًا، وصوفيًا شاذليًا، وتلميذًا وفيًّا لأبي العباس المرسي، وشيخًا من كبار شيوخ الطريقة، وصاحب مصنفات بقيت شاهدة على علمه وذوقه
بدأ حياته وفي نفسه إنكار على القوم، ثم ساقته الأقدار إلى مجلس أبي العباس، فسمع ما لم يكن قد سمع، ورأى ما لم يكن قد رأى، فعرف للعلم وجهًا آخر، وللسلوك سرًا آخر
ولزم شيخه اثني عشر عامًا، حتى صار من خواص أصحابه، ثم أذن له الله أن يحمل راية الطريق من بعده، وأن يودع في الكتب ما حفظه من علوم الشريعة ودقائق السلوك
ولعل أجمل ما في سيرته أن التحول الذي طرأ عليه لم يكن تحولًا من العلم إلى الجهل، ولا من الشريعة إلى التصوف، وإنما كان في نظره انتقالًا من العلم إلى ثمرته، ومن معرفة الحكم إلى معرفة الأدب، ومن ظاهر العمل إلى حياة القلب
ثم قضى نحبه في القاهرة سنة ٧٠٩هـ، وواراه الثرى، وبقي اسمه حيًا في الكتب والمجالس، وبقيت «الحكم» تتردد بين أيدي السالكين
وإذا كان أهل عصره قد أطلقوا عليه ألقابًا شتى، من «تاج الدين» إلى «قطب العارفين» و«ترجمان الواصلين» و«مرشد السالكين»، فإن أصدق ما يشهد له هو ما تركه من أثر في العلم والتربية، وما حفظته كتبه من تراث شيخه وطريقته
وليس غريبًا بعد ذلك أن يبقى قبره معروفًا، وأن تبقى كتبه مقروءة، وأن يظل اسمه مقترنًا بالحكمة والسلوك
فقد عاش ابن عطاء الله للعلم، وصحب أهل الطريق، وكتب للقلوب، ومضى؛ وبقيت كلماته تقول لمن يقرأها بعد سبعة قرون: إن الطريق إلى الله ليس بكثرة الدعوى، ولا برؤية النفس، وإنما بالافتقار، والصدق، وحسن الأدب، ودوام النظر في عيوب القلب
وكأن آخر ما بقي من سيرته هو أول ما ينبغي أن يتعلمه السالك: أن العارف كلما ازداد معرفةً ازداد افتقارًا، وكلما ازداد قربًا ازداد أدبًا، وأن ما ظهر من شأنه للناس ليس إلا قليلًا مما استأثر الله بعلمه
رحم الله تاج الدين ابن عطاء الله السكندري، وجزاه عن العلم وأهله، وعن شيخه وطريقه، وعن كلماته التي بقيت حية في صدور قارئيها، خير الجزاء
ترجمة الشيخ البوطي
ترجمة الشيخ البوطي
ولد عام 1929م - 1347هـ في قرية تقع على ضفاف نهر دجلة عند نقطة التلاقي بين حدود سوريا والعراق وتركيا، وتدعى جيلَكَا تابعة لجزيرة ابن عمر المعروفة بجزيرة بوطان
أبوه العلامة ملا رمضان البوُطي رحمه الله تعالى الذي هاجر إلى دمشق إثر الإجراءات التي اتخذها اتاتورك في سبيل محاربته للدين
التحق بمدرسة ابتدائية في منطقة ساروجة لكن تلقيه للعلم لم يقتصر على جهد المدرسة فقط .. بل كان لوالده الدور الأبرز. وعن تلقيه العلم في تلك المرحلة يقول الشيخ
( "كان أبي بعد ذلك هو معلمي الأوحد .. علمني أولاً مبادئ العقيدة الإسلامية، ثم علمني موجزاً من سيرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، من خلال رسالة صغيرة اسمها: ذخيرة اللبيب في سيرة الحبيب. ثم أخذ يعلمني مبادئ علوم الآلة من نحو وصرف. وسلّكني في طريق حفظ ألفية ابن مالك في النحو. فكان يفسر لي كل يوم خمسة أو ستة أبيات منها، وكان علي أن أتقنها بعد ذلك حفظاً في بياض ذلك النهار. فأذكر أنني حفظت الألفية كلها خلال أقل من عام. ولم أكن قد ناهزت البلوغ بعد، وفي الفترة ذاتها حفّظني والدي نظم الغاية والتقريب للعمريطي في الفقه. وهي ألف ومائتا بيت")
توفيت والدته وله من العمر ثلاثة عشر عاماً. فتزوج والده من زوجة أخرى، من أسرة تركية فاضلة، فكانت سبباً في إلمامه باللغة التركية بالإضافة إلى اللغة الكردية والعربية
بعد انقضاء المرحلة الابتدائية التحق بجامع منجك عند الشيخ حسن حبنكه الميداني .. ويتحدث الشيخ عن هذه المرحلة بالقول: أقبل إلي ذات يوم قبل أن يمضي بي فيسلمني أصغَرَ تلميذ إلى شيوخ معهد التوجيه الإسلامي، ينصحني ويحدثني عن آماله التي يعلقها علي .. وقال لي فيما قال : اعلم يا بني أنني لو عرفت أن الطريق الموصل إلى الله يكمن في كسح القمامة من الطرق، لجعلت منك زبالاً، ولكني نظرت فوجدت أن الطريق الموصل إلى الله هو العلم به وبدينه، فمن أجل ذلك قررت أن أسلك بك هذا الطريق. ثم شدد عليّ وأكد كثيراً، أن لا أجعل قصدي من دراسة هذا العلم أي شهادة أو وظيفة .. بعد أيام مضى بي إلى دار الشيخ حسن حبنكة رحمه الله، وتركني أمانة بين يديه وفي معهده، ومضى عائداً إلى شأنه
ومنذ ذلك اليوم انقطعت عن الدار، وأصبحت طالباً داخلياً في معهد التوجيه الإسلامي، وكنت أتردد على الدار لرؤية والدي أيام الثلاثاء فقط من كل أسبوع، أبقى عنده بياض ذلك النهار، حتى إذا أقبل المساء استأذنته عائداً على منجك
كنت أشترك مع الطلبة الكبار في الجلوس إلى دروسهم التي يتلقونها من الشيخ دون أن أعي منهم إلا النزر القليل، ولكني تبينت بعد ذلك أن حضوري كان مفيداً .. وفي أيام الثلاثاء كنت أتلقى على والدي مزيداً من الدروس.. تلقيت عليه دروساً في النحو وفي البلاغة، وقد حفظت على يديه عقود الجمان للسيوطي، كما درست عليه كتباً في المنطق، والمقولات العشر، ودرست عليه شرح جمع الجوامع في الأصول
وفي تلك الفترة تقدم للخطابة وصعد المنبر ولم يكن قد تجاوز بعد السابع عشرة من عمره، وذلك في أحد مساجد الميدان القريبة من جامع منجك
رغّبه بعض أساتذته في حفظ القرآن الكريم وشجعوه على ذلك، وبالفعل فقد استجاب وبدأ بالحفظ، ولكن والده رحمه الله على الرغم من أنه بيّن له عظيم الأجر الذي ينتظر حافظ القرآن، فقد حذره من الوزر والإثم اللذين يلحقان بمن يحفظ القرآن الكريم ثم ينساه
فتوقف عن مواصلة حفظه، لكنه غدا بعد ذلك من المكثرين لتلاوته، حتى إنه كان يختم في كل ثلاثة أيام ختمة، فكان من نتيجة إكثاره لتلاوة القرآن الكريم حفظه للعديد من السور مع استحضاره لجل السور ومواضع الآيات فيها، من دون أن يقوم بأي جهد للقيام بحفظ شيء منها على الطريقة التقليدية التي يتبعها من يريد أن يحفظ شيئاً من القرآن الكريم
وكان لإكثاره من تلاوة القرآن الكريم في تلك الفترة الدور البارز في اهتماماته الأدبية وتمتعه بالسليقة العربية، والبلاغة التي تتجلى في أحاديثه وكتاباته
تزوج وهو في الثامنة عشر .. وله من الأولاد ستة ذكور وبنت واحدة
في هذه الفترة أصبح مولعاً بقراءة الكتب الأدبية لأدباء معاصرين وغابرين مثل: مصطفى صادق الرافعي، والجاحظ، والعقاد والمازني، إضافة إلى مقامات الحريري، وفي عام 1952 ظهرت أولى أعماله وهي مقالة بعنوان أمام المرآة، نشرتها له مجلة التمدن الإسلامي، ثم تبعتها في الملجة ذاتها مقالات أخرى، لكن باكورة أعماله الأدبية بحق كانت قصة ترجمها من اللغة الكردية، وهي المعروفة باسمها الكردي (ممو زين)، وهي قصة تمثل الحب العفيف والعاطفة الملتهبة والوفاء النادر. وقد أفرغها المترجم في بيان عربي مشرق وبنيان قصصي جذاب، ولا تزال طبعاتها الكثيرة تتوالى
وفي عام 1953 أتم دراسته في معهد التوجيه الإسلامي، الذي كان قد تحول حينئذ إلى معهد شرعي نظامي. وبذلك قضى ست سنوات في جامع منجك عند الشيخ حسن حبنكة
وفي عام 1954 ذهب إلى القاهرة لاستكمال دراسته الجامعية في الأزهر. ويتحدث عن تلك المرحلة وخاصة عن تجربته الأدبية: ("ولما أنهيت دراستي الثانوية وشيئاً مما فوقها وتحولت إلى الأزهر لاستكمال دراستي الجامعية فيها .. كنت أرسل من القاهرة في كل أسبوع مقالاً أدبياً أو اجتماعياً إلى جريدة الأيام التي كان يصدرها المرحوم نصوح بابيل تحت عنوان "من أسبوع إلى أسبوع" كان ذلك خلال عام 1954-1955)
عاد لدمشق بعد حصوله على الإجازة في الشريعة من كلية الشريعة بالأزهر عام 1955
ثم حصل على دبلوم التربية من كلية اللغة العربية في الأزهر عام 1956
عين مدرساً للتربية الدينية في حمص عام 1958
أصبح معيداً في كلية الشريعة بجامعة دمشق فموفداً إلى القاهرة لنيل درجة الأستاذية (الدكتوراه) في الفقه وأصوله، وكانت اطروحته كتاب (ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية) نال عليها مرتبة الشرف الأولى مع التوصية بالتبادل
وفي عام 1965م عين مدرساً في كلية الشريعة جامعة دمشق فأستاذاً مساعداً، فأستاذاً
وعُين في عام 1975م وكيلاً للكلية، ثم في عام 1977م عيّن عميداً لها، ثم رئيساً لقسم العقائد والأديان. وقد بقي محاضراً حتى آخر لحظة من حياته بوصفه متقاعداً ومتعاقداً مع الجامعة
خلال هذه الفترة وحتى عام 1981 كان بعيداً عن المحافل العامة، ومكتفياً بالحقل الأكاديمي بالإضافة إلى درسين أسبوعيين في مسجد السنجقدار يستقطب الكثير من شباب دمشق وما حولها، ثم انتقل بسبب ضيق المكان إلى مسجد تنكز فمسجد الإيمان .. وما زالت دروسه قائمة فيه حتى اليوم بفضل الله تعالى، ودروس أخرى في مسجد والده الشيخ ملا رمضان البوطي والجامع الأموي، ومن أبرز هذه الدروس شرحه للحكم العطائية
بعد عام 1985م ربطت بينه وبين الرئيس الراحل حافظ الأسد علاقة شخصية عندما طلب الرئيس اللقاء بالدكتور البوطي إثر قراءته لبعض كتبه. وأصبح يستدعيه بين الحين والآخر في جلسات طويلة، وقد كان من أبرز نتائج تلك اللقاءات استجابة الرئيس لطلبه إذ: أطلق سراح عدد كبير من المعتقلين على دفعات، وفتح المجال لعودة الذين خرجوا بسبب الأحداث الجارية آنذاك، بالإضافة إلى معالجة كثير من القضايا الأخرى المتعلقة بالمعاهد الشرعية والإعلام والكتب الإسلامية .. وقد تسببت عن هذه العلاقة افتراءات كثيرة ألصقت عمداً بالدكتور البوطي، تبين للناس جميعاً فيما بعد بطلانها وتفاهتها
كان للشيخ موقف متميز من الأحداث الدامية التي وقعت في الجزائر .. تعرض لحملات من الهجوم بسببها .. وخاصة بعد تأليفه كتاب الجهاد في الإسلام. وعقدت أكثر من ندوة لمناقشة مضمون الكتاب والرد عليه .. لكن العجيب وبعد ثلاث سنوات صدر بيان من منتقديه في تلك الفترة يتضمن ذات الموقف الذي اتخذه هو مع بداية الأزمة
ومن أبرز الأفكار التي تميز بها في مسيرته العلمية والدعوية
يعتب على بعض المفكرين الإسلاميين انصرافهم عن العبادات والأذكار والأوراد التي هي الزاد الأول في طريق الدعوة إلى الله
يناقش العمل على ترويج كلمة "الفكر الإسلامي" و"المفكرين الإسلاميين" وله في ذلك وجهة نظر معروفة
يتمتع بروح شفافة .. بكّاء .. ويلاحظ هذا في كثير من دروسه ومحاضراته
لم يتوقف عن نصح الحاكم .. وكان له وقفات مع الحكام في سورية سراً وجهراً .. لا سيما فيما يتعلق بالصلاة في الجيش والوقوف بوجه بعض المسلسلات، وموقفه من طرد المنقبات من بعض الدوائر الحكومية معروف .. ومناهج التربية الإسلامية واللغة العربية
تشعبت اختصاصاته العلمية والفكرية وانعكس هذا على نشاطاته العلمية في سفره وحضره وفي كتبه ومحاضراته: فقد مكنه تبحره في العلوم العقلية والنقلية من تشرب مقاصد الشريعة والفهم الدقيق لمراميها وغاياتها، مما أكسبه مقدرة فائقة على ربط القديم بالجديد، فساعده ذلك على الحضور الدائم في كل المحافل العلمية والفكرية، التي تطرح فيها على بساط البحث والمناقشة أهم وأخطر القضايا التي تشغل الحيز الأكبر من التفكير الإنساني، والتي لها دور الأبلغ في توجيه المجتمعات الإنسانة فكرياً وعلمياً
وتميّزت كتاباته بأنه لم يقف فيها موقف المدافع الضعيف، بل واجه الغربيين بتسفيه أفكارهم وإبراز الدلائل العلمية على تهافتها، لا سيما تلك التي تتناول حقائق الإسلام، وملتزماً خلال ذلك جانب الدقة والحيطة في كل ما يكتبه أو يقوله
:له نشاطات عديدة على الصعيد العربي والدولي. منها
شارك في الكثير من المؤتمرات والندوات العربية والدولية كالملتقى الفكري الإسلامي في الجزائر لسنوات عديدة
حاضر في معظم الدول العربية والغربية من أبرزها محاضرته في مجلس برلمان الاتحاد الأوربي في ستراسبورغ عن حقوق الأقليات في الإسلام سنة 1991
وشارك كمستشار في بعض لقاءات المجمع الفقهي الإسلامي
عضو في هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية
عضو جمعية نور الإسلام في الغرب / فرنسا
عضو في مؤسسة طابا / أبو ظبي
المشرف على النشاط العلمي في الجامع الأموي بدمشق
سمي عضو المجلس الأعلى لأكاديمية أكسفورد
عضو المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية / عمان
نال جوائز عديدة منها جائزة دبي لشخصية العام 2004
له برامج عديدة من الحلقات العلمية الدينية والاجتماعية بثت وتبث من أقنية فضائية متعددة، منها
مع البوطي في قضايا الساعة - مع البوطي في حياته وفكره - الجديد في إعجاز القرآن - الإسلام في ميزان العلم - مشاهد وعبر من القرآن والسنة - وبرنامج دراسات قرآنية الذي لا يزال في إلقاءه منذ ربع قرن
ومن أبرز مؤلفاته: وهي كثيرة جدا ناهزت الخمسين
الإنسان مسير أم مخير
هذه مشكلاتنا
هذه مشكلاتهم
هذا والدي
محاضرات في الفقه المقارن
الإسلام ملاذ كلّ المجتمعات الإنسانيّة
الحب في القرآن ودور الحب في حياة الإنسان
من الفكر والقلب
يغالطونك إذ يقولون
منهج الحضارة الإنسانية في القرآن
اللامذهبية أخطر بدعة تهدد الشريعة الإسلامية
السلفية مرحلة زمنية مباركة وليست مذهب إسلامي
شخصيات استوقفتني
المرأة بين طغيان النظام الغربيّ ولطائف التشريع الربانيّ
لا يأتيه الباطل
عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها
منهج الحضارة الإنسانية في الإسلام
نقض أوهام المادية الجدلية
تجربة التربية الإسلامية في ميزان البحث
أبحاث في القمة (عشر كتيبات)
قضايا فقهية معاصرة
تحديد النسل
قضايا ساخنة
المذاهب التوحيدية والفلسفات المعاصرة
التعرف على الذات
الإسلام والغرب ... وغيرها الكثير لكن أبرز مؤلفات الشيخ على الإطلاق
شرح وتحليل الحكم العطائية (لابن عطاء الله السكندري) 4 مجلدات.
فقه السيرة النبوية
كبرى اليقينيات الكونية
والعديد من مؤلفاته ترجم إلى لغات عدة: كالإنكليزية والفرنسية والألمانية والتركية والروسية والملاوية
إنه عالم عصري مجدّد، ورع مخلص، سليم الطوية، حسن النية والمقصد، غيور على شرع الله والأخلاق الإسلامية، جريء في الحق، ملأ حياته وحياة الناس بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة، والحكمة النافعة بالكتاب والسنة النبوية، متبع للسلف الصالح، محذر من البدع، وداعية إسلامي متفوق في كل ميدان
وفيما يتعلق بالفتنة التي وقعت في سوريا مع بداية عام 2011 اتخذ الشيخ رحمه الله تعالى ذات الموقف الذي اتخذه من أحداث الجزائر والذي كان سبباً في إيقافها، فقد كان له موقفاً واضحاً وصريحاً تفرد به عن غيره. ابتعد فيه عن أسلوب التحريض ودأب فيه على معالجة أسباب سفك الدماء مستنداً في كل ما ذهب إليه إلى الدليل الشرعي، ووجه النصح لكلا الطرفين، فكانت فرصة لخصومه للنيل منه، وللقيام بمحاولات حثيثة لتشويه صورته، لكن الله سبحانه وتعالى أنزله المنزلة اللائقة به. عندما اختاره شهيداً مساء يوم الخميس 21/ آذار/ 2013، الموافق: 10 / جمادى الأول / 1434هـ. في خاتمة يتمناها كل مسلم عاقل، في مجلس وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده). عندما كان يلقي درسه في تفسير القرآن الكريم في محراب مسجد الإيمان بدمشق مع حوالي خمسين من طلبة العلم الشرعي، رحمهم الله تعالى أجمعين. فاستحق لقب شهيد المحراب بعد سيدنا عمر رضي الله عنه، ودفن إلى جوار سيدنا الناصر صلاح الدين الأيوبي
وفي ختام هذه السيرة المباركة العطرة، وردّاً لما يشيعه المغرضون: نؤكد أن الشيخ كان حتى آخر لحظة في حياته يرفض أن يغادر الشام إلى أي دولة أخرى. رغم كل الإغراءات التي تحدث عنها والتي سجّلها يوم استشهاده، كما أنه ليس له أي
ترجمة الإمام أحمد زروق الفاسي البرنسي
ترجمة الإمام أحمد زروق الفاسي البرنسي
شيخ الفقه والتصوف، ومحتسب أهل الطريق
هو الشيخ الفقيه، الصوفي، العارف بالله، المحتسب لأهل التصوف، شهاب الدين أبو العباس أحمد بن أحمد بن محمد بن عيسى البرنسي الفاسي، المشهور بـ أحمد زروق، أحد أعلام المغرب في الفقه والتصوف والسلوك، وأحد الوجوه البارزة التي جمعت بين علم الشريعة ونور الطريقة
ينتسب إلى قبيلة البرانس البربرية، وهي من القبائل المعروفة التي كانت تقطن نواحي جبل البرانس الممتد بين فاس وتازة. وفي تلك الديار، بقرية تليوان، أبصر الشيخ زروق نور الحياة في صبيحة يوم الخميس، في الثامن والعشرين من المحرم سنة 846هـ. وقد وقع في بعض المصادر أنه ولد في الثاني والعشرين من المحرم، غير أن المشهور عند مترجميه أنه ولد يوم الخميس عند طلوع الشمس لثمانٍ وعشرين ليلة خلت من المحرم
وسُمّي في أول أمره محمداً، ثم غلب عليه اسم أبيه أحمد بعد وفاته، فاجتمع له الاسمان في بعض الروايات. أما لقب زروق فموروث عن جده، وقيل إن جده كان أزرق العينين، فغلبت عليه هذه النسبة واشتهر بها حتى صارت علماً عليه. وأما نسبته إلى البرنسي، فمرجعها إلى أصل أسرته في قبيلة البرانس
نشأ الشيخ زروق يتيماً؛ فقد فقد أبويه في طفولته، فتولت جدته الفقيهة الصالحة أم البنين رعايته وكفالته، وكانت له بمنزلة الأم الحانية والمربية البصيرة. فنشأ في كنفها محفوظاً بعناية الله، حتى بلغ العاشرة، فحفظ القرآن الكريم، ثم أقبل على تعلم صناعة الخرز، قبل أن تتفتح نفسه بعد ذلك على العلم، ويغلب عليها حب المعرفة والطلب
ولما بلغ السادسة عشرة، انصرف إلى مجالس العلماء، والتحق بطلبة جامع القرويين والمدرسة العنانية، وأخذ يتردد بين حلقاتهما، ينهل من أمهات كتب الفقه والحديث والأصول وقواعد العربية. فقرأ الرسالة لابن أبي زيد القيرواني على الشيخ علي البسطي والشيخ عبد الله الفخار، قراءة بحث وتمحيص، وقرأ القرآن الكريم على جماعة من الشيوخ، منهم القوري والزرهوني والمجاصي، بقراءة نافع
ولم يقف طموحه عند حدود الفقه والحديث، بل امتدت همته إلى علم التوحيد والتصوف، فأخذ العقائد الطوسية والعقائد السنوسية والرسالة القدسية على الشيخ عبد الرحمن المجدولي، كما أخذ بعض كتاب التنوير عن أبي عبد الله القوري، وسمع عليه جانباً كبيراً من صحيح البخاري، وتفقه عليه في أحكام عبد الحق الصغرى وجامع الترمذي. واتصل بجماعة من السالكين وأهل الطريق، فجمع بين صحبة العلماء وصحبة أهل السلوك، حتى غدا العلم عنده طريقاً إلى العمل، والعمل طريقاً إلى صفاء القلب
وفي العشرينات من عمره بدأت صلته بمشايخ الطريقة الشاذلية، فسلك على الشيخ محمد الزيتوني في زاوية الشاذلية بفاس. وفي الرابعة والعشرين، سنة 870هـ، كتب أول تعليق له على حكم ابن عطاء الله السكندري، وهو الكتاب الذي سيظل حاضراً في مسيرته العلمية والصوفية، حتى نُسب إليه فيما بعد أكثر من شرح وتعليق على الحكم
وفي تلك السنة خرج في سياحة روحية استغرقت أربعين يوماً بأمر شيخه، فقصد تلمسان وزار ضريح الشيخ أبي مدين شعيب، وتحمل في رحلته من المشقة والعناء ما كان من شأنه أن يزيد عزيمته صلابة ونفسه صفاء. ثم عاد إلى فاس، فأقام بها ثلاث سنوات مشتغلاً بالدرس والتأليف، يزداد علماً ويترسخ في طريق السلوك
وخلال هذه المرحلة اتصل بعدد من أعلام المغرب والجزائر، فأخذ عن شيوخ كبار، منهم الشيخ عبد الرحمن الثعالبي، والشيخ إبراهيم التازي، والمشدالي، وحلولو، والسراج الصغير، وأحمد بن سعيد بن الحباك، وابن الرضاع، والحافظ التنسي، والإمام محمد بن يوسف السنوسي صاحب العقائد المشهورة، وابن زكريا، وأبو مهدي عيسى المواسي، وغيرهم من أعلام العلم والتصوف
ثم اشتاقت نفسه إلى الحج، فعزم سنة 873هـ على أداء الفريضة، واستشار شيخه أحمد بن الحسن الغماري، فأذن له وشجعه على الرحلة. فانطلق إلى المشرق، ومر بالقاهرة، ثم توجه إلى مكة والمدينة، فأدى مناسك الحج، وأقام بالمدينة المنورة مجاوراً نحو عام، التقى خلاله بعدد من العلماء والمشايخ وأهل التصوف
ثم عاد إلى القاهرة سنة 876هـ، وكانت تلك الإقامة من أخصب مراحل حياته العلمية والروحية؛ إذ اتصل بعلماء الأزهر ومشايخ التصوف، وكان من أبرز من لقيهم العلامة شمس الدين السخاوي، وأبو إسحاق التنوخي، ونور الدين السنهوري، والقطب أحمد بن عقبة الحضرمي
وكان للشيخ أحمد بن عقبة الحضرمي أثر عميق في تكوين الشيخ زروق وسلوكه؛ فقد صحبه ثمانية أشهر، وأخذ عنه آداب الطريق وأصول السلوك، وانتفع بنصحه وإرشاده انتفاعاً كبيراً. ثم عاد إلى بلاد المغرب سنة 877هـ، وظل على صلة بشيخه، يتبادل معه الرسائل والمكاتبات، ويمر في طريق عودته بطرابلس وتونس وبجاية، حتى بلغ فاس سنة 879هـ، فخرج علماؤها وفقهاؤها لاستقباله على أطراف المدينة
وأقام في فاس أربع سنوات، يدرس ويدرّس ويؤلف، حتى عزم سنة 884هـ على الرحيل عن موطنه الأول، فقصد بجاية، وكان له فيها أصحاب ومريدون. ثم لم يلبث أن غادرها في أواخر السنة نفسها عائداً إلى القاهرة، حيث اجتمع بشيخه الحضرمي، وأقام بها بقية السنة والعام الذي تلاها، واتسعت دائرة صلته بالعلماء والطلاب، وبرز اسمه شيخاً له مكانته، يجتمع حوله أهل العلم والسلوك
وفي سنة 886هـ اتجه الشيخ إلى مصراتة بليبيا، وكانت له قبل استقراره بها إقامة في طرابلس، تعرف خلالها إلى عدد من أعلامها، ومنهم العلامة أحمد بن عبد الرحمن الزليتني المعروف بـحلولو، وعلي الخروبي الطرابلسي، الذي كان من أخلص أصدقائه، حتى صار ابنه محمد من المخلصين في صحبة الشيخ وأتباعه
وفي مصراتة وجد الشيخ بيئة رحبة لبث العلم ونشر الهداية؛ فاجتمع حوله الطلبة والمريدون، وعظمت منزلته في نفوس أهلها، لما رأوا فيه من سعة العلم، ورسوخ الفقه، وصدق السلوك، وحسن التربية. فغدا صاحب الصدارة في مجالسهم، يعلّم ويرشد، ويجمع بين دقة الفقيه ورقة العارف، حتى أصبح اسمه علماً من أعلام العلم والتصوف في بلاد المغرب
وكان من أقرانه في تلك البلاد الشيخ عبد الواحد الدكالي، شيخ ولي مسلاتة، وقد اتصل به فيما بعد سيدي عبد السلام الأسمر، فنُقلت عنه صلته بالشيخ زروق، وكان لذلك أثر في امتداد طريقته وانتشار تعاليمه في ليبيا
ولم تكن رحلة الشيخ زروق رحلة جغرافية فحسب، بل كانت رحلة في طلب العلم وتزكية النفس، انتقل فيها بين فاس وتلمسان وبجاية وتونس وطرابلس ومصر ومكة والمدينة، يلقى العلماء، ويأخذ عنهم، ويضيف إلى ما حصله من علم المغرب ما لقيه في المشرق من علوم وتجارب وأذواق. ومن أبرز من أخذ عنهم في أسفاره: أحمد بن زكري التلمساني، وعبد الرحمن المجذوبي، وأحمد بن علي الفيلالي، وأحمد بن سعيد الحباك المكناسي، وأحمد بن علي القسنطيني، والزواوي صاحب اللامية في العقائد، والإمام السنوسي، ومحمد بن عبد الجليل التنسي، وأحمد بن يونس القسنطيني، وعلي بن عبد الله السنهوري، وأحمد بن محمد اليزليطني، وعلي بن عبد الله السنوسي، وإبراهيم الدميري، ومحمد السخاوي، وأحمد بن عقبة الحضرمي، الذي كان له عليه فضل ظاهر في طريق السلوك
وقد تخرج على يديه عدد من أهل العلم والتصوف، وانتشرت طريقته بين المريدين، ومن أشهر تلاميذه: الفقيه أحمد المنجور، وإبراهيم الزرهوني، وعبد العزيز القسنطيني، والراشدي الملياني، وطاهر القسنطيني نزيل المدينة المنورة، وعبد السلام الأسمر الليبي، ومحمد الحطاب الكبير، ومحمد بن علي الخروبي، وشمس الدين اللقاني المصري، وأخوه ناصر الدين، وغيرهم
وكان الشيخ زروق كثير التأليف، واسع التصنيف، لا يكاد باب من أبواب العلم الذي اشتغل به إلا ترك فيه أثراً. ومن أشهر مصنفاته «قواعد التصوف»، الذي سماه: قواعد التصوف على وجه يجمع بين الشريعة والحقيقة، ويصل الأصول والفقه بالطريقة، وهو من أجل كتبه وأشهرها، جمع فيه بين أصول الفقه وآداب السلوك، وأقام جسراً بين ظاهر الشريعة وباطن التربية
ومن كتبه كذلك: «إعانة المتوجه المسكين على طريق الفتح والتمكين»، و«أصول الطريق»، و«تأسيس القواعد والأصول وتحصيل الفوائد لذوي الوصول»، و«النصيحة الكافية لمن خصه الله بالعافية»، و«عدة المريد الصادق»، و«النصح الأنفع والجُنّة للمعتصم عن البدع بالسنة»، و«كفاية المريد»، وهي منظومة في علم الكلام، و«الكناش» الذي ضمنه فهرست شيوخه، وقد أفاد منه المؤرخون والمترجمون بعده
وله كذلك «الوظيفة» التي شرحها جماعة من العلماء، وشروح متعددة على حكم ابن عطاء الله السكندري، حتى قيل إنه شرح الحكم أكثر من ثلاثين مرة، وكان يذكر أنه درّسها خمس عشرة مرة، وفي كل مرة كان يكتب شرحاً جديداً من حفظه وبعبارة مغايرة. ومن أشهر تلك الشروح: «الفتوحات الرحمانية في حل ألفاظ الحكم العطائية»، و«الفضائل والنعم في الكلام على ما يتعلق بالحكم»، و«تنبيه ذوي الهمم»
ومن آثاره أيضاً: شرح الحزب الكبير للشاذلي، وشرح الحقائق والرائق لمحمد المقري، وشرح القصيدة النونية للششتري، وشرح القصيدة الدمياطية، وشرح العقيدة القدسية للغزالي، وشرح المباحث الأصلية في الطريقة الصوفية لابن البناء السرقسطي، وشرح المرشد لشيخه أحمد بن عقبة، وشرح إرشاد السالك لابن عسكر البغدادي، وشرح الرسالة لابن أبي زيد، وشرح المقدمة الوغليسية لعبد الرحمن الوغليسي البجائي، وشرح مختصر خليل، وشرح المقدمة القرطبية، وشرح اغتنام الفوائد في التنبيه على معاني قواعد العقائد، وله كذلك تعليقات على صحيح البخاري
وهكذا اجتمع في الشيخ أحمد زروق علم الفقيه، وبصيرة المربي، وهمة الرحالة، ونَفَس المؤلف، فكان من أولئك العلماء الذين لم يروا تعارضاً بين الشريعة والحقيقة، بل سعوا إلى وصل إحداهما بالأخرى، وإقامة التصوف على أساس من العلم والفقه والاتباع
وقد ترجم له العلامة شمس الدين السخاوي في كتابه الضوء اللامع، وذكر مولده ونشأته ورحلاته وشيوخه، وأشار إلى غلبة التصوف عليه وميله إلى طريقة ابن عربي، وذكر أنه لقيه بمكة، وأن له أتباعاً ومريدين، وأنه كتب على حكم ابن عطاء الله، وأرجوزة المواق، وفصول السلمي، وأرجوزة أم القرطبية في الفقه
وبعد حياة حافلة بالرحلة والطلب والتعليم والتأليف والتربية، ختم الشيخ زروق أيامه في مصراتة، حيث انصرف في أواخر عمره إلى العبادة والخلوة، حتى وافاه الأجل في الثامن عشر من صفر سنة 899هـ، عن عمر ناهز أربعاً وخمسين سنة
ولم يترك وراءه من متاع الدنيا إلا القليل؛ نصف فرس، وبعض الثياب، ومسبحة، ودفاتر ومجلدات في فنون مختلفة، وكأن حياته كلها كانت شاهدة على أن ثروة العالم ليست فيما يملك من متاع، وإنما فيما يتركه من علم، وما يغرسه في القلوب من هداية، وما يورثه للناس من أثر باقٍ
وهكذا رحل الشيخ أحمد زروق، وبقي اسمه في سجل علماء المغرب والمشرق، وبقيت كتبه شاهدة على عقل جمع بين الفقه والتصوف، وبقيت «قواعد التصوف» خاصةً من الكتب التي حفظت له مكانته في تاريخ التصوف السني؛ إذ سعى فيها إلى تهذيب الطريق بالعلم، وربط السلوك بأصول الشريعة، حتى غدا الشيخ زروق في ذاكرة الأجيال صورةً للعالم الذي لم يفصل بين نور العلم ونور القلب، ولا بين ظاهر الشريعة وحقيقة السلوك
رحمه الله رحمة واسعة، وجزاه عن العلم وأهله خير الجزاء